الاثنين، 26 أغسطس 2019

عند مراجعة ما قام به العلماء في تتبعهم لإحصاء الأسماء الحسنى، نجد أنهم جميعا يحصون الأسماء المطلقة من القرآن والسنة أولا، أو من القرآن فقط، فإن عجز أحدهم عن استكمال العدد المشار إليه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والذي ينص على وجود تسعة وتسعين اسما في القرآن والسنة، أدخل بعضا من الأسماء المضافة والمقيدة، وترك أكثرها، وهذا الأمر نجده واضحا جدا في إحصائهم جميعا.

وقد كان ابن حزم الأندلسي من أشد الناس التزاما بجمع الأسماء المطلقة، وكان في استطاعته أن يحصي ما شاء من الأسماء المقيدة ليجعل العدد تسعة وتسعين، لكنه لم يفعل كما فعل غيره التزاما بمنهجه في إحصاء الأسماء الحسنى، ولذلك فضل أن يترك الأمر لمن جاء بعده، فذكر نيفا وثمانين اسما اعتقدها جميعا أسماء مطلقة، تفيد المدح والثناء على الله بنفسها، وأنها ثابتة بنصها وصيغتها في الكتاب والسنة.

ومن نظر في الأسماء التي ذكرها ابن حزم وجد أنه استبعد من الأسماء المشهورة الأسماء المقيدة، وهي المنتقم والبديع والرافع والنور والمحيي والجامع والهادي وذو الجلال والإكرام، فلم يرد ذكرها في الأسماء التي جمعها في حين أدخل في الأسماء الحسنى مما لم يرد في الأسماء المشهورة واحدا وعشرين اسما، جميعها مطلقة ثابتة صحيحة بصيغتها التوقيفية، وهي الأكرم الرب الإله القريب الشاكر القاهر القدير الأحد الأعلى الخلاق المليك السيد السبوح الوتر المحسن الجميل الرفيق المسعر المبين الشافي المعطي.

وقد أبقى ابن حزم على الأسماء التوقيفية المطلقة الواردة في الأسماء المشتهرة وهي: الله الرحمن الرحيم العليم الحكيم الكريم العظيم الحليم القيوم السلام التواب الوهاب السميع المجيب الواسع العزيز الآخر الظاهر الكبير الخبير البصير الغفور الشكور الغفار القهار الجبار المتكبر المصور البر المقتدر الباري العلي الغني الولي القوي الحي الحميد المجيد الودود الصمد الواحد الأول المتعال الخالق الرزاق الحق اللطيف الرءوف العفو الفتاح المتين المؤمن المهيمن الباطن القدوس الملك القابض الباسط المقدم المؤخر.

ومن راجع جمع العلامة ابن حجر وجد أنه رحمه الله كان ينكر على كل من أخذ الأسماء اشتقاقا، وكل من لم يلتزم ثبوت النص، وعلمية الاسم، والإطلاق، ثم إنه كما تقدم أخذ يعتذر عما أدخله في إحصائه من الأسماء المقيدة بعد أن أنكر على محمد بن إبراهيم الزاهد أنه أدخل أسماء مضافة ومقيدة، ثم ألزمه بإحصاء جميع الأسماء المقيدة بالإضافة لو أراد اتباع المنهج الصحيح الذي ينبغي أن يكون، وذلك حين أشار إلى أن محمد الزاهد ذكر من المضاف اسم الفالق، وكان يلزمه أن يذكر القابل.

قال ابن حجر: (ووقفت في كتاب المقصد الأسنى لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الزاهد أنه تتبع الأسماء من القرآن، فتأملته فوجدته كرر أسماء، وذكر مما لم أره فيه بصيغة الاسم: الصادق، والكاشف، والعلام، وذكر من المضاف الفالق من قوله: إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُوْنَ الأنعام:٩٥. وكان يلزمه أن يذكر القابل من قوله: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ/ غافر:٣)

ولما عجز العلامة ابن حجر عن إحصاء سبعة وعشرين اسما مطلقا من القرآن ليضيفها إلى الاثنين والسبعين اسما المطلقة التي انتقاها هو من الأسماء المشهورة ورآها صحيحة، وأيضا لما لم يجد في القرآن من الأسماء المطلقة إلا خمسة عشر اسما فقط، اضطر إلى مخالفة منهجه في إدخال بعض الأسماء المضافة ليكمل التسعة والتسعين ويترك البعض، فأخذ يعتذر عن ذلك، وكأنه يقول: لو احتج عليّ أحد بأنني أدخلت المضاف في إحصائي للأسماء، فسأحتج عليه أيضا بأن الوليد بن مسلم فعل ذلك في الأسماء المشهورة التي أدرجها في الحديث، ورواها عنه الترمذي، وبقيت قرونا طويلة لم يحتج عليه أحد فيها.

ومن تتبع جمع المعاصرين كشيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في القواعد المثلى وجد أنه اعتمد في منهج الإحصاء على تتبع ما ورد في القرآن وصحيح السنة من الأسماء التوقيفية التي وردت بنصها مطلقة غير مقيدة، إلا في بعض الأسماء التي تردد في إدخالها، كما قال رحمه الله في علة تردده في إدخال اسم الله الحفي فقال: (وإن كان عندنا تردد في إدخال الحفي لأنه إنما ورد مقيدا بإبراهيم) . مع غض النظر عن إدخاله العالم والحافظ والمحيط حيث اعتقدها مطلقة وهي ليست كذلك .

وكذلك كل العلماء الذين حاولوا إحصاء الأسماء التزموا جميعا في المقام الأول بإحصاء ما ورد في النص بصيغة الاسم مطلقا من غير تقييد، حتى بلغ إحصاء كل منهم للأسماء المطلقة ما يقارب بضعا وتسعين اسما، أدخل ما تيسر له من الأسماء المقيدة، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن الإطلاق هو الأصل عندهم وعند غيرهم في جمع الأسماء الحسنى، وهذا واضح جدا لكل من له عينان.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©