الأربعاء، 31 يوليو 2019

علمنا مما سبق أن الجهم بن صفوان أضل خلقا كثيرا من أتباعه الجهمية ، وقدم عقله على الأدلة القرآنية ، والأحاديث النبوية عندما أجاب السمنية بجهله إجابة خاطئة كاذبة ، وزعم أن الله بذاته في كل مكان ، وأنه لا صفة له حتى لا يشبه الإنسان ، ثم نظر هذا الجهم المفتون إلي القرآن ، فما تصور أنه يوافق مذهبه جعله دليلا وبرهان ، وما خالفه صرح برده ونفية من القرآن ، وظهرت بدعة أسستها للجهم وسوسة الشيطان .

وقد تبع الجهم على قوله وفكره رجل يقال له واصل بن عطاء وآخر يقال له عمرو بن عبيد وإليهما ينسب مذهب الاعتزال ، فالمُعْتَزِلة أتباع واصل بن عطاء الغزال وعمرو بن عبيد ، واصل بن عطاء الغزال ( 80ه - 131هـ) كان تلميذ الحسن البصري ، وكان مفوها بليغا ، على الرغم من كونه كان عاجزا عن النطق ببعض الحروف ، فكان ينطق الراء غينا ، مثلا كلمة : شراب بارد ، شغاب باغد ، ومن عجيب ما كان من واصل ، أنه كان يخلص كلامه وينقيه من حرف الراء ، لقدرته العجيبة على الكلام ، حتى قال أحد الشعراء يمدحه ، بإطالة الحديث واجتنابه حرف الراء ، على الرغم من كثرة ورودها في الكلام ، كان واصل يتجنبها كأنها ليست فيه فقال هذا الشاعر وهو على عقيدته الاعتزالية : عليم بإبدال الحروف وقامع : لكل خطيب يقلب الحق باطله ، وقال آخر :

ويجعل البر قمحا في تصرفه : وخالف الراء حتى احتال للشعرولم يُطِقْ مطرا والقَولُ يَعْجُلُه : فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر .

واصل بن عطاء كان تلميذا يتعلم ضمن بقية الطلاب في حلقة شيخه الحسن البصري ، و الحسن البصري كان من علماء السلف ، فجاء إلي الحلقة رجل من عامة المسلمين يسأل الشيخ عن حكم مرتكب الكبيرة ، ماحكمه في الإسلام ؟ ومعروف إن أهل السنة والجماعة ، يقولون بأن مرتكب الكبيرة مسلم لا يخرج عن الملة ، وإن كان فاسقا بارتكاب الكبيرة ، ونعلم أيضا أن الخوارج تقول مرتكب الكبيرة كافر بالله العظيم ، وقبل أن يجيب الشيخ حسن البصري ، قام هذا الطالب المسمي واصل بن عطاء ، دون أدب ولا حياء ، وقال : إن الفاسق من هذه الأمة لا هو مؤمن ولا هو كافر ، هو في منزلة بين المنزلتين ، أجاب بعقله دون احترام لشيخه ، ودون علم أو نظر في كتاب الله أو سنة رسوله صلي الله عليه وسلم ، عند ذلك طرده الحسن البصري من مجلسه ، وبدلا من أن يرجع إلي شيخه ويعتذر عن سوء أدبه ، أخذته العزة بالإثم واعتزل عن الحسن البصري ، وجلس إلي سارية من سواري المسجد في البصرة ، وانضم إليه بعد ذلك رجل آخر يقال له عمرو بن عبيد ، وجمع واصل معه أراذل الناس من أتباع الجهم بن صفوان ، فكان الحسن البصري يقول : اعتزلنا واصل ، اعتزلنا واصل ، وكان بقية طلاب العلم من تلاميذ الحسن البصري يطلقون عليهم المعتزلة ، فارتسم عليهم هذا الاصطلاح وعرفوهم عامة المسلمين بالمعتزلة .

وكان هؤلاء المعتزلة يدعون الزهد والصلاح ، والنصح والإصلاح ، وكان لهم صلة بالحكام في الدولة العباسية ، دخل عمرو بن عبيد يوما على أبي جعفر المنصور أيام خلافته ، وكان أبو جعفر صاحبه وصديقه قبل الخلافة ، وله معه مجالس وأخبار ، فقربه المنصور وأجلسه ، ثم قال له عظني يا عمرو ، فقال له كلاما كثيرا جاء في بعضه : ( إن هذا الأمر الذي أصبح في يدك ، لو بقي في يد غيرك ممن كان قبلك ، لم يصل إليك ، فأحذرك ليلة تتمخض بيوم لا ليلة بعده ، فلما أراد عمرو النهوض والخروج من القصر ، قال أبو جعفر المنصور قد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم ، قال عمرو بن عبيد لا حاجة لي فيها ، قال : والله لتأخذها ؟ قال : والله لا آخذها ، وكان المهدي ابن المنصور حاضرا ، فقال : يحلف عليك أمير المؤمنين ، وتحلف أنت بغير ما أراد ، فالتفت عمرو بن عبيد إلي المنصور ، وقال : من هذا الفتي ؟ قال : هذا المهدي ولدي وولي عهدي ، فقال عمرو : أما إنك ألبسته لباسا ما هو من لباس الأبرار ؟ وسميته باسم ما استحقه ، ومهدت له أمرا ، هو أشغل ما يكون عنه ، ثم التفت عمرو بن عبيد إلي المهدي ، وقال : نعم يا ابن أخي إذا حلف أبوك أحنثه عمك ، لأن أباك أقوي على الكفارات من عمك ؟ فقال له المنصور : هل من حاجة ، قال : لا تبعث إلي حتى آتيك ، قال : إذا لا تلقني ، قال : هي حاجتي ، ومضي عمرو بن عبيد ، فأتبعه المنصور بطرفه وقال : كلكم يمشي رويد ، كلكم يطلب صيد ، غير عمرو بن عبيد ، فهذه الصحبة والصداقة التي كانت بين قواد المعتزلة وبين الخلفاء والأمراء بني العباس ، أثارت حفيظة الخلفاء في الأخذ بمشورتهم والعمل بنصيحتهم .

وقد أسس المعتزلة مذهبهم على خمسة أصول رنانة ، وشعارات فتانة ، اغتر بها كثير من المسلمين في الماضي وكثير من العلمانيين في الحاضر ،

فالأصل الأول من أصولهم أطلقوا عليه التوحيد : وزعموا أنهم أهلُ التوحيد وخاصتُه وخلاصة رأيهم في التوحيد ، هو أن الله تعالى منزه عن الشبيه والمثيل ( ليس كمثله شيء ) ، وهذا حق لا مرية فيه ولكنهم بنوا على ذلك نفي الصفات وتعطيل الآيات واستحالة رؤية الله تعالى بعد الممات ، وهو والله توحيد السفهاء وتوحيد يسخر منه جميع العقلاء ، فالعقلاء يمدون ويحدون ربهم بإثبات الصفات ، والمعتزلة يمدحون ربهم وهم في حقيقة أمرهم يذمونه ويصفونه بصفات النقص التي لا يرضاه عاقل لنفسه ، وقد أداهم توحيدهم هذا إلي القول بأن بخلق القرآن وزعموا أنه مخلوق كسائر المخلوقات لنفيهم عنه سبحانه وتعالي صفة الكلام .

الأصل الثاني عندهم العدل : والعدل معناه على رأيهم أن الله لا يخلق أفعال العباد ، فعطلوا قوله تعالى : ( وَاللهُ خَلقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات:96) ، فستروا تحت شعار العدل نفي التقدر وعلم المقادير ، وقالوا : إن الله لا يخلق الشر ولا يقضي به ، إذ لو خلقه ثم عذبهم عليه ، كان ذلك جورا ، والله تعالى عدل لا يجور ، وقد يفتن العامة بأصلهم هذا كما فعل العلمانيون والماديون ، الذين لا يؤمنون بالتقدير وجريان المقادير ، وأن ما قدر سوف يكون ، أو كما هي العبارات المنتشر التي يرددها الفاسقون ، كقول بعضهم : ( قدر أحمق الخطي سحقت هامتي خطاه ) وهذه الكلمة كفيلة وحدها بإخراجه من الملة ، أو كقول بعضهم : ( إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ) لا فرق بين كلام هؤلاء وكلام المعتزلة ، فهذا الأصل الفاسد الذي رفعوا فيه شعار العدل ، يلزمهم فيه أن الله تعالى يكون في ملكه ما لا يريده ، فيريد الشيء ولا يكون ، ولازمه وصفه بالعجز في مقابل وصفهم بممثل د من الحرية والاختيار ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وقد قال تعالى : ( هُوَ الذِي خَلقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (التغابن:2) وسوف نتحدث بإذن الله تعالى عن موضع القضاء والقدر في محاضرات مستقلة نستوفي فيها كل هذه الشبه ونرها ونناقشها مناقشة مستفيضة .


الأصل الثالث هو المنزلة بين المنزلتين : ويقصدون به هو حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا عندهم ، فمرتكب الكبيرة عندهم في منزلة بين الإيمان والكفر ، فليس بمؤمن ولا كافر ، وقد قرر هذا واصل بن عطاء شيخ المعتزلة كما تقدم .

الأصل الرابع هو إنفاد الوعيد : ويقصدون به هو حكم مرتكب الكبيرة في الآخرة ، ويعني عندهم أن يجب على الله أن يعاقب مرتكب الكبيرة من المسلمين ، ويخلده في النار أبد الآبدين ، ولا يجوز أن يخرجه من النار بشفاعة سيد الأنبياء والمرسلين أو غيره من المؤمنين الصالحين ، فهم يشبهون الخوارج في قولهم : إذا توعد الله بعض عبيده وعيدا فلا يجوز أن لا يعذبهم ويخلف وعيده ، لأنه لا يخلف الميعاد ، فلا يعفو عمن يشاء ولا يغفر لمن يشاء ، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا .

الأصل الخامس عندهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : وهذا الشعار الرنان الذي يفتن به كل إنسان ، يقصدون به الدعوة إلي أصولهم الخمسة ، فالمعروف عندهم هو من اعتنق أصولهم ، والمنكر عندهم هو مذهب السلف أهل السنة والجماعة ، وقد ساروا بهذا الأصل على مذهب الخوارج في الخروج على الحكام بالسيف .

ومن مبادئ المعتزلة الاعتماد على العقل كليا ، في الاستدلال لعقائدهم ، كأمر أساسي حتمي ، ثم بعد ذلك النظر في القرآن كدليل ثانوي ، قد يقبل وقد يعطل ، حسب القواعد الموضوعة بعقولهم وأهوائهم ، وكان من آثار اعتمادهم على العقل في إدراك العقائد ، أنهم كانوا يحكمون بعقول على جميع الأشياء بالحسن والقبح حتى الأحكام الشرعية ، ونحن علمنا في المحاضرات التي تناونا فيها الحديث عن العلاقة بين العقل والنقل أن الواجبات والمستحبات والمحرمات والمكروهات هذه الأربعة السيادة فيها للنقل للقرآن والسنة ، النقل هو الذي يحكم هنا بحسن الأشياء وقبحها ، والعقل تابع فيها للنقل ، يؤيده ويعضده ، وعمنا أن العاقل لن يجد في فطرته ما يعارض الشريعة الإسلامية ، أما إذا قُدم العقل على النقل في الواجبات والمستحبات والمحرمات والمكروهات من الأحكام ، فسوف تظهر البدعة في الإسلام ، وسوف تتغير ملامح الشريعة ، وتصبح ألعوبة في يد المبتدعين .

وأما دور العقل في الحكم على الأشياء بالحسن والقبح ، فهذا مقصور على المباح من الأحكام فقط ، فالقيادة والسيادة هنا للعقل ، والنقل يؤيده ويعضده ، ويعاونه ويساعده ، كما روي عند الإمام مسلم من حديث أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَال : أَنْتُمْ أَعْلمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ، والمعتزلة نظرا لاعتمادهم على العقل أيضا عطلوا صفات الله كصفة الاستواء واليدين والعين ، وكذلك صفة المحبة والرضي والغضب والسخط ، ومن المعلوم أن المعتزلة تنفي كل أوصاف الله بحجة تمسكهم بالتوحيد ونفي التشبيه عن الله .

ولاعتمادهم على العقل أيضا ، طعن رؤساؤهم في أكابر الصحابة ، وشنعوا عليهم ورموهم بالكذب ، فقد زعم واصل بن عطاء : أن إحدي الطائفتين يوم الجمل فاسقة ، إما طائفة على بن أبي طالب وعمار بن ياسر والحسن والحسين وأبي أيوب الأنصارى أو طائفة عائشة والزبير ، وردوا شهادة هؤلاء الصحابة ، فقالوا : لا تقبل شهادتهم ، ومعلوم أن سبب الفتنة بين الصحابة في وقعة الجمل وصفين ، هم السبئية أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي .

وبسبب اعتمادهم على عقولهم القاصرة ، دون هداية من ربهم ، ورفضهم الاتباع لنبيهم ، تعددت فرقهم ، وكثر اختلافهم ، فيكفي وفق مذهبهم ، أن يختلف التلميذ مع شيخه في مسألة ، ليكُونَ هذا التلميذ صاحبَ فرقة قائمة ، فأبو الهذيل العلاف له فرقة ، خالفه تلميذه النظام فكانت له فرقة ، فخالفه تلميذه الجاحظ فكانت له فرقة ، والجبائي له فرقة ، فخالفه ابنه أبو هشام عبد السلام فكانت له فرقة أيضا وهكذا يختلفون في ضلالهم ويتنوعون في ابتداعهم ، يقول أبو عبد الله بن الحسين الرازى ، صاحب كتاب اعتقادات فرق المسلمين والمشركين : إعلم أن المعتزلة سبع عشرة فرقة ، الفرقة الأولي الغيلانية أتباع غيلان الدمشقي ، والفرقة الثانية الواصلية أتباع واصل بن عطاء الغزال ، وهو أول من قال إن الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر ولا منافق ولا مشرك ، والفرقة الثالثة العمرية أتباع عمرو بن عبيد ، والفرقة الرابعة الهمثل لية أتباع أبي الهمثل ل العلاف ، والفرقة الخامسة النظامية أتباع إبراهيم بن سيار النظام ، والفرقة السادسة الثمامية أتباع ثمامة بن أشرس ، والفرقة السابعة البشرية أتباع بشر المرييسي بن معمر بن عباد السلمي ، والمزدارية أتباع أبي موسي المزدار وهو تلميذ بشر ، والهشامية أتباع هشام بن عمرو القوطي ، وقد كان يمنع الناس أن يقولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ، لأنه لا يجوز إطلاق اسم الوكيل على الله تعالى ، والجاحظية ، أتباع عمرو بن بحر الجاحظ ، والجبائية اتباع أبي على محمد بن عبد الوهاب الجبائي ، والخياطية أتباع أبي الحسن عبد الرحيم الخياط ، وغيرهم الكثير والكثير ، وكل له ما يخصه من الضلالات العقلية ، لكنهم يقولون جميعا بالأصول الخمسة ، هذا ملخص موجز عن المعتزلة وأصوله ، تعالوا نري كيف ظهرت البدعة الكبري ؟

لما زاع أمر الجهم بن صفوان وانتشر خبره ، حتى تابع الفساق فكره وأيدوا حزبه ، سار على نهجه واصل بن عطاء ، فقد انضم إلي طريقته وسار على دربه بدعته ، وكذلك عمرو بن عبيد الذين ينسب إليهما مذهب المعتزلة كما تقدم ، فتأصلت فكرة الجهم عند المعتزلة ، في الاعتماد على العقل في إثبات الصفات أو نفيها ، وتشبعوا بالرغبة في تعطيل النصوص وردها ، بحجة أن إثباتها يدل على التشبيه وأنواع المحال ، وأن الدين لا يصح إلا بهذا بالتعطيل والضلال ، وقد بنوا على هذا الأصل نفي أوصاف الكمال ، واستحالت عندهم رؤية رب العزة والجلال ، فردوا الأخبار ، وأنكروا الآثار ، التي ثبتت في رؤية الله يوم القيامة ، وبنوا على ذلك أصولهم أيضا نفي صفة الكلام عن الله فجعلوه عاجزا عن الكلام بالقرآن ، بحجة أنه لو كان متكلما في زعمهم لكان له جارحة الفم واللسان ، وأن إثبات صفة الكلام تشبيه لله بالإنسان ، وقد استفحل أمرهم ، وكثر عددهم ، وانتشر في البلاد خبرهم ، وللأسف قربهم خلفاء الدولة العباسية ، متعللين لهم بأنهم ، كانوا يجادلون المخالفين من الزنادقة والجبرية ، والشيعة والمجوس مجادلة عقلية .

وفي بداية القرن الثالث الهجري تصادق المأمون بن هارون ، وهو من أبرز خلفاء الدولة العباسية تصادق مع بعض دعاة الآراء الاعتزالية ، وذلك قبل أن يكون خليفة المسلمين ، فقرب إليه رجلا يقال له بشر بن غياث المرييسي المولود من أب يهودي ، وكان هذا الرجل قد نظر في صفات الله بالفكر الجهمي ، فغلب عليه فكر الجهم بن صفوان وانسلخ من الورع والتقوى والإيمان ، وأعلن القول بخلق القرآن ، ودعا إليه حتى كان عينَ الجهمية في عصره ، وكان عالمَهم المقتدي بأمره ، فمقته أهل العلم وناظروه ، وحكم عليه بعضهم وكفروه ، يقول الإمام الشافعي عن هذا الجهمي : ناظرت بشر بن غياث المريسي ، فكان مما قال : القرعة قمار ، وهي حرام ، فذكرت له حديث عمران بن حصين في القرعة فبهت ، وحديث عمران رواه مسلم في كتاب الإيمان عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَجُلا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لمْ يَكُنْ لهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلاثًا ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً وَقَال لهُ قَوْلا شَدِيدًا ) ، وفي رواية أن رجلاً من الأنصار أوصي عند موته فأعتق ستة مملوكين ، الوصية فيما دون الثلث ، ولذلك أجري النبي القرعة بينهم ، ومعني قال له قولا شديدا أي أنكر فعله وكراهه .

والشاهد أن أبسط الأمور في سنة النبي ، لا يعرفها بشر المريسي ، فأصله كما قال هاشم بن القاسم يهودي ، والخليفة المأمون اختلط برجل يقال له أحمد بن أبي دؤاد الإيادي ، وكان من أشد المتعصبين للمذهب الاعتزلي ، قربه المأمون واتخذه صاحبا ، ومن شدة تعلق المأمون به عظمه الشعراء نفاقا للخليفة حتى قال بعض الشعراء من المعتزلة من بني العباس :

رسول الله والخلفاء منا : ومنا أحمد بن أبي دؤاد - فرد عليه بعض شعراء أهل السنة الذين يدركون خطورة هذا الرجل وفتنته للناس ، وقال : فقل للفاهرين على نزار : وهم في الأرض سادات العباد - رسول الله والخلفاء منا ونبرأ من دعي بني إياد - وما منا إياد إذا أقرت : بدعوة أحمد بن أبي دؤاد ، وكذلك الشاعر المشهور أبو تمام مدحه بكلام أقرب ما يكون إلي الشرك من كونه مدحا لمخلوق ، فقال في مدح أحمد بن أبي دؤاد : أأحمد إن الحاسدين كثير : ومالك إن عد الكرام نظير - حللت محلا فاضلا متقادما : من المجد والفخر القديم فخور - فكل غني أو فقير فإنه : إليك وإن نال السماء فقير - إليك تناهي المجد من كل وجهة : يصير فما يعدوك حيث يصير - وبدر إياد أنت لا ينكرونه : كذاك إياد للأنام بدور - تجنبت أن تدعي إليك ممدة : وما رفعة إلا إليك تشير .

فانظر إلي هذا الكلام المليء بالنفاق والشرك الخطير ، انظر إلي المبالغة والخطأ الكبير ، انظر إلي تعظيم هذا الظالم وتشبيهه بالعلى الكبير ، والله إن من اعتقد هذا في غير الله ، فهو مسكين ضال مضل ، يخشي عليه أن تكون له جهنم وبئس المصير ، ومن شدة الترابط بين أحمد بن أبي دؤاد وبين الخليفة المأمون أشار على الخليفة أن يكتب على سترة الكعبة ( ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم ) حرف كلام الله لينفي وصفه تعالى بأنه السميع البصير ، كما قال هذا الضال جهم بن صفوان ، عن قوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوي ) قال : لو وجدت السبيل إلي أن أحكها من المصحف لفعلت لو وجدت السبيل إلي أن أحكها من المصحف لفعلت .

وكذلك قرب المأمون إليه رجالا من المعتزلة حتى راوده على مذهبهم فأقنعوه حتى أصبح ألعوبة في أيديهم ، ونصحوه أن يأخذ على أيدي الناس ليعتنقوه ، إصلاحا لدينهم على زعمهم ، وإرضاءا لربهم بحمقهم ، وقد وقع المأمون في شباكهم وفرض على الناس بدعة جديدة لم تكن في أسلافهم ، وهي البدعة الكبري ، بدعة القول بخلق القرآن .

ما هي قصة خلق القرآن وما هي فكرتها ؟ فكرتها قائمة على منهجهم في نفي الصفات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم ومنها صفة الكلام ، فهم زعموا أن الله لو كان متكلما لكان له فم ولسان ، ومن ثم لا بد من نفي صفة الكلام عنه .

وقد وصل الأمر ببعضهم إلي محاولته تحريف القرآن حتى لا يؤمن بهذه الصفة ، فقال لأبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة : أريدك أن تقرأ هذه الآية : ( وَكَلمَ اللهُ مُوسَي تَكْليمَا ) (النساء : 164) بنصب لفظ الجلالة ، وذلك ليكون موسي عليه السلام هو المتكلم ، أما الرب عنده فلا يتكلم لأن الكلام لا يكون إلا بفم ولسان حسب زعمه ، فقال أبو عمرو : هب أني وافقتك في ذلك فماذا تفعل بقوله : ( وَلمَّا جَاءَ مُوسَي لمِيقَاتِنَا وَكَلمَهُ رَبُّه ) فبهت المعتزلي .

ومعلوم عند السلف أن الله يتكلم بكيفية تليق بجلاله نجهلها نحن ويعلمها هو فنحن ما رأيناه وما رأينا له نظيرا فهو سبحانه كما قال : ( ليْسَ كَمِثْلهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الشورى:11) ، ولا يلزم من إثبات صفة الكلام التشبيه والتجسيم كما هو اعتقاد المعتزلة ، بل أخبرنا الله تبارك وتعالي أن بعض المخلوقات تتكلم بدون فم أو لسان فقال تعالى : ( اليَوْمَ نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون ) (يس:65) ، فنحن نؤمن أنها تتكلم ولا نعلم كيف تتكلم فالله أنطقها كما أنطق كل شيء ولذلك قال تعالى : ( وَقَالُوا لجُلُودِهِمْ لمَ شَهِدتُمْ عَليْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الذي أَنْطَقَ كُل شيء ) ( فصلت:21) فالأيدي والأرجل والجلود تتكلم بلا فم يخرج منه الصوت المعتمد على مقاطع الحروف ، ولكن قياس الخالق على المخلوق قياس فاسد لا يجوز .

كما أن صفة الكلام من لوازم الكمال وضدها من أوصاف النقص والله سبحانه له الكمال المطلق في أسمائه وصفاته ، ولهذا ذم الله بني إسرائيل لاتخاذهم عجلا لا يتكلم إلها من دون الله ، قال تعالى عنهم : ( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَي مِن بَعْدِهِ مِنْ حُليِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لهُ خُوَارٌ أَلمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ) فعجز العجل عن الكلام من صفات النقص التي يستدل بها على عدم ألوهيته ، فإذا كان من شروط العظمة لدي المخلوق اتصافه بالكلام ، أليس الخالق أولي بذلك .

وقد صدق ابن القيم في قوله : وله الكمال المطلق العاري عن التشبيه والتمثيل بالإنسان - وكمال من أعطي الكمال بنفسه أولي وأقدم وهو أعظم شان - أيكون قد أعطي الكمال وماله : ذاك الكمالُ أذاك ذو إمكان - أيكون إنسانٌ سميعا مبصرا : متكلما بمشيئة وبيان - وله الحياة وقدرة وإرادة ، والعلم بالكلي وبالأعيان - والله قد أعطاه ذاك وليس هذا وصفه فاعجب من البهتان - بخلاف نومِ العبد ثم جماعِة ، والأكل منه وحاجةِ الأبدان - إذ تلك ملزوماتُ كونِ العبد محتاجا وتلك لوازمُ النقصان - وكذا لوازم كونه جسدا نعم ولوازم الأحداث والإمكان - يتقدس الرحمن جل جلاله عنها وعن أعضاء ذي جُثْمِان - والله ربي لم يزل متكلما وكلامه المسموع بالآذان - صدقا وعدلا أحكمت كلماته طلبا وأخبارا بلا نقصان - ورسوله قد عاذ بالكلمات من لدغ ومن عين ومن شيطان - أيعاذ بالمخلوق حاشاه من الإشراك وهو معلم الإيمان - بل عاذ بالكلمات وهي صفاته سبحانه ليست من الأكوان .

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ، وصلي الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين ، وسائر أصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلي يوم الدين .
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©