الأربعاء، 31 يوليو 2019

بعد مدة من طوفان نوح أرسل الله هودا عليه السلام لما ظهر الشرك والفساد في قوم عاد، وهم قبيلة تنسب إلى عاد بن عوص بن سام بن نوح وكانوا عربا يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل التي كانت باليمن بين عُمان وحضرموت بأرض مطلة على البحر، وكانوا أول من عبد الأصنام بعد الطوفان، فبعث الله فيهم أخاهم هودا عليه السلام فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا إلا الكفر بالله سبحانه وتعالي فأرسل الله عليهم ريحا عاتية فيها عذاب أليم، استمرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما، فلم تبق منهم أحدا، بل تتبعهم حتى كانت تدخل عليهم كهوف الجبال فتهلكهم.

وبعد مدة من هلاك عاد أرسل الله صالحا عليه السلام لما ظهر الشرك والفساد في قوم ثمود، وكانوا عربا يسكنون الحجر الذي بين الحجاز وتبوك، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخلعوا عبادة الأصنام والأنداد، فآمنت طائفة منهم وكفر أغلبهم، وهموا بقتله، وقتلوا الناقة التي جعلها الله حجة عليهم، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، حيث جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض ففاضت الأرواح وزهقت النفوس، وسكنت الحركات، فأصبحوا في دارهم جاثمين، جثثا لا أرواح فيها ولا حراك بها، ونجى الله نبيه صالحا عليه السلام ومن آمن به.

وبعد مدة من هلاك ثمود أرسل الله إبراهيم الخليل عليه السلام لما ظهر الشرك والفساد في العراق وبلاد الشام وفلسطين ومصر، وقد ولد إبراهيم ببابل في العراق على الصحيح، وهي أرض الكلدانيين وقتها، وكانت أول دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه لأنه أحق الناس بإخلاص النصيحة له، وكان أبوه ممن يعبد الأصنام، فبين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان، ثم حدثت المناظرة لقومه في هذه الأجرام والكواكب التي عبدوها من دون الله، وكان أهل بابل يصورون لمعبوداتهم أوثانا وأصناما على هيئتها، فناظرهم في عبادتهم لها وأهانها وبين بطلانها، فلما خرجوا إلى عيدهم واستقر هو في بلدهم، راغ إلى آلهتهم ضربا باليمين، وجعلهم حطاما إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون، فلما رجعوا من عيدهم، ووجدوا ما حل بمعبوداتهم، أتوا به على رءوس الأشهاد وقالوا احرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين، فأمر الله النار أن تكون بردا وسلاما على إبراهيم.

ثم خرج إبراهيم عليه السلام من أرض الكلدانيين في العراق، وكان معه ابن أخيه لوط إلى أرض الكنعانيين في بلاد الشام، فنزلوا حران، وناظر فيها النمرود ابن كنعان، وكان قد طغى وبغي، فدعاه إبراهيم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فحمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار وجود الله، فحاج إبراهيم في ربه وادعى لنفسه الربوبية، فغلبه إبراهيم في الحجة حتى بهت الذي كفر، وأهلك الله النمرود.

ثم ارتحلوا قاصدين بيت المقدس فأقاموا فيها، وكانت سارة امرأة الخليل إبراهيم عاقرا لا يولد لها، ولم يكن له من الولد أحد، بل معه ابن أخيه لوط، فمكث إبراهيم في فلسطين، ثم انطلق بعد قحط وشدة وغلاء حل بهم، فارتحلوا إلى مصر ومعه زوجته سارة، وكان فرعون مصر وقتها يأخذ المرأة الحسناء لنفسه غصبا من زوجها، فحفظها الله بقدرته من فرعون فخاف الفرعون منها وأكرمها وأهداها جارية.

ثم عاد إبراهيم عليه السلام مع زوجته سارة وجاريته هاجر غانمين آمنين إلى فلسطين، وأمر إبراهيم لوطا عليه السلام أن يذهب إلى الأردن في أرض الأغوار لينذرهم ويحذرهم من أفعالهم الفاسدة عند انتشار الشذوذ بينهم، ومعاشرة الرجال بعضهم لبعض، فنزل بمدينة سدوم، وهي أم تلك البلاد في ذلك الزمان، وكان أهلها أشرارا كفارا فجارا، فجعل الله عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة أهلكتهم جميعا، ونجى الله لوطا عليه السلام.

ثم إن سارة وهبت هاجر لإبراهيم عليه السلام فدخل بها وحملت منه بإسماعيل، وحدث بينها وبين سارة ما يكون بين النساء من الغيرة، فوضعت هاجر إسماعيل عليه السلام، وإبراهيم له من العمر وقتها ست وثمانون سنة، قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة، ولما ولد إسماعيل أوحى الله إلى إبراهيم يبشره بإسحاق من سارة، ومن وراء إسحاق يعقوب.

ولما ولد لهاجر إسماعيل عليه السلام ذهب إبراهيم بها وبولدها إلى برية فاران وهي موقع مكة المكرمة، وكان ولدها إذ ذاك رضيعا، ثم ذهب وتركهما ثم دعا ربه فقال:رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ إبراهيم:٣٧.

ثم أمر الله إبراهيم أن يذهب إلى مكة ويرفع القواعد من البيت مع ولده إسماعيل، وجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بالمقام وهو حجر كان يقوم وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة حتى انتهى بناء الكعبة وأذن في الناس بالحج. وبعد بناء البيت عاد إبراهيم عليه السلام إلى فلسطين ومكث فيها، وقد مرت الملائكة بإبراهيم عليه السلام مجتازين ذاهبين إلى قوم لوط ليدمروا عليهم قريتهم سدوم فظنهم الخليل ضيوفا فعاملهم معاملة الضيوف وشوى لهم عجلا سمينا فقربه إليهم، فلم ير لهم همة إلى الأكل بالكلية فنكرهم، وأوجس منهم خيفة، فأخبروه خبرهم، وبشروه بإسحاق من سارة، ومن وراء إسحاق يعقوب.

ولما وفي إبراهيم عليه السلام ما أمره به ربه جعله للناس إماما يقتدون به ويأتمون بهديه، وسأل الله أن تكون هذه الإمامة متصلة في عقبه، وباقية في نسبه، فأجيب إلى ما سأل على ألا ينالها الظالمون. ولم يخرج من ذرية إسماعيل عليه السلام من سلالته من الأنبياء سوى خاتمهم على الإطلاق وسيدهم، وفخر بني آدم في الدنيا والآخرة، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي المكي ثم المدني صلوات الله وسلامه عليه، فلم يوجد من هذا الفرع الشريف سوى هذه الجوهرة الباهرة.

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ شبكة عقيدتي الإسلامية 2018 ©