الأربعاء، 31 يوليو 2019

عاش بنو إسرائيل في المنفى أو السبي البابلي مدة طويلة، انحرفوا خلالها عن الدين الحق، وتأثروا بوثنية أسيادهم البابليين ومن جاء بعدههم، ثم احتل الفرس بابل وورثوا ممتلكاتهم، وأظهر ملك الفرس كورش تعاطفا نحو بني إسرائيل حيث سمح لهم بالعودة إلى فلسطين، ولكن الكثيرين منهم فضلوا البقاء في بابل، وعاد بعضهم على صورة جماعات تحت قيادة رجل يقال له عزرا، أو عزير كما سماه القرآن، حيث أعاد بناء مدينة أورشليم وهيكل سليمان، وقد زعم اليهود أنه أعاد التوراة المفقودة في السبي البابلي من حفظه، وأنه الذي جمع أسفار الكتاب المقدس ونظمها، وأنه مؤسس اليهودية المتأخرة في القرن الخامس قبل الميلاد، ولذلك يلقبونه بـالكاهن الكاتب أو الوراق.

ومن ذلك الزمان اختفي ذكر الأسباط العشرة الأخرى، فمن عاد منهم إلى فلسطين اختلط بسبطي يهوذا وبنيامين، وفي ذلك الحين سُمَّي الإسرائيليون يهودا، وقد عاشت الجماعات اليهودية العائدة إلى فلسطين تحت ظل الحكم الفارسي لتلك البلاد، ومن بعده في ظل حكم الإسكندر الأكبر المكدوني اليوناني، ومن بعده حكم البطالسة المصريين التابعين لأحد قادة الإسكندر الأكبر الذين اقتسموا مملكته بعد وفاته، ثم جاء الحكم الروماني على فلسطين في القرن الأول قبل الميلاد، وفي فترة الحكم الروماني ولد وعاش عيسى بن مريم عليه السلام.

وقد حاول اليهود مرارا وتكرارا في ظل الحكومات المتعاقبة السابقة إعادة مجدهم السابق، وعزهم الزائل وحلمهم الكبير في إقامة مملكة مستقلة لليهود في فلسطين، ولكن محاولاتهم الكثيرة كانت تبوء بالفشل والندم والدم حيث تنتهي ثوراتهم بتدميرهم وقتلهم وتشريدهم عقابا لهم من الله وغضبا عليهم، لكفرهم وفجورهم وقتلهم الأنبياء والصالحين وإفسادهم في الأرض.

وعلى أثر ثورة من الثورات المتكررة التي كان يقوم بها اليهود في القرن الأول الميلادي دمّر الإمبراطور الروماني تيطس هيكل سليمان مرة ثانية، وقتل وسبى عددا كبيرا من اليهود، وفي القرن الثاني الميلادي قام اليهود بثورة أخرى زمن الإمبراطور الروماني أدريانوس الذي دمّر مدينة أورشليم، وبنى مكان الهيكل معبدا لجوبتير كبير آلهة الرومان وغيّر اسم المدينة إلى إيليا، وتخلص من اليهود بالقتل والتعذيب والتشريد والنفي ومنعهم من دخولها، فازداد تشتت اليهود وتفرقهم في أنحاء العالم عما كانوا عليه من قبل.

وإلى هنا ينتهي تاريخ الإسرائيليين كأمة، فإنهم بعد خراب أورشليم تفرقوا في جميع بلاد الله، وتاريخهم فيما بقي من العصور ملحق بتاريخ الممالك التي توطنوها أو نزلوا فيها، وقد قاسوا في غربتهم هذه صنوف العذاب والبلاء، فإن الرومانيين حظروا عليهم دخول أورشليم. وبالرغم من تشتتهم فإن العذاب كان يحل بهم أينما حلوا، وتعرضوا لنقمة أهل البلاد التي يسكنون فيها بسبب كفرهم وفسقهم وفسادهم وإفسادهم في الأرض وإشاعتهم للفتن والرذائل، وأكل أموال الناس بالباطل، فكان عقاب الله سبحانه وتعالي عليهم بأن سلّط عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب.

قال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ، وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ الأعراف:١٦٧/١٦٨.

لقد سلط الله على اليهود الفراعنة والآشوريين والبابليين واليونانيين والبطالسة والرومان، وقطعهم في الأرض أمما متفرقين، فتفرقوا في كثير من البلدان يحملون أحقادهم في التوراة التي كتبها لهم عزير، والذي قدسوه وعبدوه وزعموا أنه ابن الله، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وكان ممن تقطع في الأرض جماعة من علمائهم كانوا يعرفون نبي آخر الزمان محمد صلي الله عليه وسلم الذي جاء ذكره في التوراة، وجاء ذكر وصفه ووصف بلده ومبعثه ومماته، وأنه سيعلو على أعدائه، فهاجروا إلى يثرب انتظارا له لعله يعيد لهم مجدهم ودولتهم.

غير أن اليهود ظنوا أن أنبياء الله سيوافقونهم على ضلالاتهم التي دونها لهم عزرا في التوراة المحرفة، فمن مكث منهم في فلسطين تآمر على قتل عيسى عليه السلام حتى رفعه الله، ومن انتظر خاتم الأنبياء والمرسلين في يثرب، سلط الله نبيه صلي الله عليه وسلم عليهم بعد محاولتهم قتله، فأجلى بني قينقاع وبني النضير عن المدينة النبوية، وقتل بني قريظة وحارب يهود خيبر حتى استسلموا له وصالحوه، ثم أوصى بإخراجهم من جزيرة العرب.

مشاركة

هناك تعليقان (2)

جميع الحقوق محفوظة لــ شبكة عقيدتي الإسلامية 2018 ©