ما علاقة الطغيان والاستكبار بتجاوز حدود الافتقار؟

لما كانت فطرة الإنسان قائمة على الإقرار بأن وصف الغنى والكمال وصف ذاتي انفرد به رب العزة والجلال، وأن وصف الحاجة والافتقار وصف ذاتي لكل مخلوق على وجه الاضطرار، فإن كل من عصى الله ونازعه في أمره واستغنى بماله أو جاهه أو ملكه؛ فإنه خرج عن حده، من كونه عبدا فقيرا بذاته، شأنه الخضوع والافتقار إلى أن طغى وبغى واغتر بعدم الحاجة والاضطرار، فرأى نفسه مستغنيا بذاته عن غيره، وأنه لا يفتقر إلى ربه في قيام وصفه وتحقيق مراده.

قال تعالى: كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى العلق:٦. ثم بين أن طغيانه سببه رؤية العبد لنفسه أنه استغنى عن ربه، فقال: أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى العلق:٧. ثم بين سبحانه أنه الغني بذاته الذي يركن إليه كل من سواه؛ لأنهم فقراء بذواتهم؛ فقال تعالى: إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى  العلق:٨ .

وحقيقة الطاغوت تجاوز الحد في الخروج من الفقر الذاتي إلى طلب الغنى الذاتي، وذلك باستعلاء هوى النفس في الإنسان، والاستكبار والظلم والطغيان، فالطاغوت هو كل ما يعبد من دون الله عز وجل. قال تعالى:  هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ، إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ، اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ، فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى ،  وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ، فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى ، فَكَذَّبَ وَعَصَى ، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ، فَحَشَرَ فَنَادَى ، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى . النازعات:١٥/٢٦.

وقد سُمِّي الطاغوت طاغوتا لتجاوز الحد من كونه عبدا فقيرا زعم لنفسه؛ أو زعم له غيره أنه علا في الكمال؛ واستغنى عن ربه في الطلب والسؤال؛ كما قال رب العزة والجلال: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ   البقرة:٢٥٦. وقال تعالى: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الزمر:١٧.

إذا كانت معاني العبودية تقوم على معاني الذل والافتقار والحاجة والاضطرار؛ فإن معاني الربوبية تقوم على الاستغناء بالنفس في كل اسم أو وصف؛ بحيث يكون المسمى والموصوف كاملا، فكمال الأسماء والصفات والأفعال هو الذي يغني صاحبه عن كل معاني الحاجة والاضطرار؛ والذل والافتقار، وهذا الوصف ليس لأحد على الإطلاق إلا لرب العزة والجلال، وفي المقابل فإن توحيد العبودية لله هو إفراده بالطاعة والمحبة والتسليم، والافتقار بالخضوع والتعظيم.

قال تعالى: قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ، أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ، وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ، إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا . مريم:٨٨/٩٣.

والسبب في أن اتخاذ الولد شرك بالله، يستوجب غضبه، أن الولد يستغني بأبيه، ودعوى استغنائه تستوجب توجّه الفقير الذاتي بطلب الحاجة إلى الغني الذاتي، وحقيقة الأمر أن عيسى عليه  السلام ليس غنيا بذاته، بل فقير بذاته يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق ، فحقيقة عيسى عليه  السلام أنه عبد وليس غنيا بذاته، وإنما الله وحده هو الغني بذاته، وما سواه فقير إليه فقرا ذاتيا، ومن ثم فإنهم إذا التجئوا إلى عيسى عليه  السلام اعتقادا منهم أنه موصوف بالغنى الذاتي ضيعوا أنفسهم، وضيعوا جميع الفقراء بذواتهم حين اتبعوهم في طلب المدد منهم، وفسد الكون بشركهم لأنهم ركنوا إلى عاجز فقير بذاته، ولو كان من ركنوا إليه موصوفا بالغنى على الحقيقة، أو كان للرحمن ولد على الحقيقة، لما منعهم الله عز وجل من عبادته، أو رجوع الفقير بذاته إليه في طلب حاجته، كما قال تعالى: قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ   الزخرف:٨١.

لكنهم في الحقيقة أضعف من الذباب في فقرهم الذاتي، وفي حاجتهم إلى الله الغني، كما قال تعالى:  يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ، مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . الحج:٧٣/٧٤.

ركنوا إلى فقراء بذواتهم من أمثالهم على الرغم من أن قيامهم الفعلي على إقامة الله لهم، وضمان حوائجهم وبقائهم هو من فضل ربهم؛ فما من دابة إلا على الله رزقها، وهو سبحانه آخذ بناصيتها، وهذا الشرك عين الظلم العظيم الذي وعظ لقمان ولده أن ألا يقع فيه، فقال تعالى:  وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ .  لقمان:١٣. فالله سبحانه يخلقهم، وهم يعبدون غيره، ويرزقهم، وهم يشكرون سواه.

اشترك في آخر تحديثات المقالات عبر البريد الإلكتروني:

0 الرد على "ما علاقة الطغيان والاستكبار بتجاوز حدود الافتقار؟"

إرسال تعليق

إعلان أسفل عنوان المشاركة

إعلان وسط المشاركات 1

إعلان وسط المشاركات اسفل قليلا 2

إعلان أسفل المشاركات