كما كانت فطرة الإنسان مبنية على أن الفقر الذاتي متأصل في وجوده؛ فإن الحرص على مصلحته، والسعي إلى سد فقره وحاجته، أمر لا يستطيع دفعه عن نفسه، فخلق الله كل إنسان حريصا على جلب المنفعة وتحصيلها، وحب الخيرات وتفضيلها، وألا يفضل الخير الأدنى على الخير الأعلى، وأن يكون حريصا على دفع المضرة وإبعادها، كما أنه يتحمل مشقة أدنى ليحصِّل منفعة أعلى، ويضحي بالقليل ليحصِّل الكثير، ويحرص على الباقي ويزهد في الفاني، فالمريض يتحمل مرارة الدواء طلبا للشفاء؛ فهذه أوصاف العقلاء وأصحاب الفطرة السليمة التي تقوم على تحقيق معاني العبودية والافتقار إلى رب العزة والجلال، وقد جعل الله عز وجل طلب الجنة والبعد عن النار أعلى حاجة يسعى إليها العقلاء، فليس بعد نعيم الجنة من خير، وليس بعد عذاب النار من شر، وقد صح عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: (يُؤْتي بِأنْعمِ أهْل الدُّنْيا مِنْ أهْل النّارِ يوْم القِيامةِ، فيُصْبغُ فِي النّارِ صبْغةً ثمّ يُقال: يا ابْن آدم هل رأيْت خيْرًا قطُّ؟ هل مرّ بِك نعِيمٌ قطُّ؟ فيقُول: لا والله يا ربِّ.. الحديث) .

لقد جعل الله الجنة دارا للمؤمنين لتبقى دليلا على دوام الافتقار المقترن بعبودية الاختيار، وجعل النار دار للكفار لتبقى دليلا على دوام الفقر المقترن بعبودية الاضطرار، وفي المقابل يبقى وجود الإنسان دليلا على الغنى المطلق لرب العزة والجلال، فجعل الخلائق على فطرة الحاجة والعبودية، وليبقى سبحانه أولا وآخرا غنيا كاملا منفردا بالربوبية.
ويستحيل أن يوجد مخلوق يستغني مطلقا عن الحاجة والافتقار إلى رب العزة والجلال، ولذلك أخطأ الصوفية خطأ عظيما عندما أخرجوا طلب الجنة والنار من حساباتهم، واعتقدوا أن العبادة الحق تكون بغير انتظار للثواب وعلى غير خوف من العقاب، حتى وصلوا إلى درجة يحتقرون فيها من عبد الله عز وجل انتظار لثوابه، أو خوفا من عقابه، وصنفوه من التجار الذين لا يعطون إلا لانتظار العوض، بل غالى بعضهم فوصف هذا الفريق بأنهم عبيد السوء الذين لا يوقرون الله عز وجل لذاته، ولكن لما يصلهم من نفع أو نعمة.

كما أدى ذلك أيضا إلى استهجان البعض منهم لعذاب النار، فصرح بعدم الخوف منها، وقلل من شأنها، وكقول رابعة العدوية: (ما عبدتك خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك، ولكن حبا لذاتك) . وقال أبو بكر الشبلي: (إن لله عبادا لو بزقوا على جهنم لأطفئوها) وقال أبو يزيد البسطامي: (الجنة لا خطر لها عند أهل المحبة، وأهل المحبة محجوبون بمحبتهم) . وقال أيضا: (إن الله قد أمر العباد ونهاهم، فأطاعوه، فخلع عليهم خلعة، فاشتغلوا بالخلع عنه، وإني لا أريد من الله إلا الله) .

هذا الكلام وأمثاله مخالف للفطرة وتوحيد العبودية، وهدم للشريعة الإسلامية؛ لأن نصوص القرآن والسنة دلت على بطلان هذا الاعتقاد الفاسد، ودلت على مدح المؤمنين بسؤالهم الجنة ورجائها، والاستعاذة من النار والخوف من عذابها، وقد كانت محصلة هذه الدعوة الباطلة الخروج عن وصف الفطرة والعبودية، والوقوع في وصف الاستغناء والربوبية، وقد ترتب على ذلك تأليه الأولياء وشيوخ الطرق الصوفية، كما نرى ما يحدث عند أضرحتهم المنتشرة في البلاد الإسلامية، من مظاهر التعظيم والتقديس لهم، والاستغاثة بهم، وتقبيل أعتابهم، والطواف حول قبورهم، وغير ذلك من مظاهر الشرك المختلفة.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©