ما هو الركن الرابع من أركان الاختيار في الإنسان؟

علمنا أن منطقة حديث النفس كائنة في قلب الإنسان، وأن الله سبحانه وتعالي جعل للخواطر فيها ركنين نفسيين ونازعين ذاتيين، متقابلين ومتضادين، أحدهما يدعو إلى التقوى والإيمان، والآخر يدعو إلى الفجور والعصيان. وجعل الله أيضا ركنين خارجيين، من خلال وجود هاتفين قرينين، متقابلين ومتضادين، ليس لأحدهما جبر، أو غلبة على إرادة الإنسان، الأول ويسمى الملك أو هاتف الخير وداعي الإيمان، والثاني يسمى هاتف الشر أو الشيطان، والهاتفان والنازعان يسهمان في تشكيل الخواطر خيرها وشرها. كما أن الله من كمال عدله أوجد في منطقة حديث النفس عقلا يمثل صماما للأمان، يضبط الأفكار والخواطر في قلب الإنسان، ويميز به بين ما ينفع وما يضر، ويقيس من خلاله معاني الخير والشر.

ومن أركان الاختيار ومقوماته في الإنسان وجود منطقة الكسب التي تحتوي مشيئة  العبد واختياراته وجميع أعمال القلوب الكائنة في قلبه، و منطقة الكسب هي مصدر أصيل للنيات والإرادات، والباعث المباشر للحركات والسكنات في الإنسان، وعليها تقع المساءلة عن إرادته للكفر أو الإيمان، وما يكتسبه الإنسان في الدنيا وما يقع عليه من الجزاء في الآخرة.

والأدلة على وجود الكسب في الإنسان كثيرة في القرآن والسنة، منها قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ   المدثر:٣٨.  والدليل على أن منطقة الكسب في القلب قوله تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ البقرة:٢٢٥.

وكل الدلائل النقلية والعقلية والفطرية تشهد بأن المسئولية تقع على عاتق الإنسان في الدنيا بسبب كسبه وسعيه، واختياره وفعله، وأنه لا يصح من جهة النقل والعقل الاحتجاج بالجبر على نفي الاختيار والكسب، بل إن الفطرة شاهدة على أن الإنسان حريص كل الحرص على دفع الأذى والمضرة التي تقع من كسب الآخرين عليه وسعيهم، وحريص أيضا على إلقاء المسئولية على عواتقهم بأدنى فعل، وأن عاقلا لا يحتج بالجبر عندما يُسرق ماله، أو تُؤخذ أرضه، أو يُعتدى عليه، أو يُنتهك عرضه.

وهذا الكسب الذي يوجد في القلب بما يحويه من مشيئات وإرادات وقصود واختيارات من أعجب الدلالات على كمال حكمة الله سبحانه وتعالي وقدرته وقيام حجته على عباده، فجعل الله تحرك الجوارح تبعا للاختيار القائم بالقلب وقد شبه ابن القيم قلب الإنسان بشأن الملك العظيم، الجالس على سرير مملكته، يأمر وينهى، ويولى ويعزل، وقد حف به الأمراء والوزراء والجند، كلهم في خدمته، إن استقام استقاموا، وإن زاغ زاغوا، وإن فسد فسدوا، فعليه المعول، والقلب محل نظر الرب تعالى، ومحل معرفته، ومحبته وخشيته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضا به وعنه، والعبودية عليه أولا وعلى رعيته وجنده تبعا، فأشرف ما في الإنسان قلبه، فهو العالِم بالله سبحانه وتعالي الساعي إليه، المحب له، وهو محل الإيمان والعرفان، وهو المخاطب المبعوث إليه الرسل، المخصوص بأشرف العطايا من الإيمان والعقل. وإنما الجوارح أتباع للقلب يستخدمها استخدام الملوك للعبيد، والراعي للرعية، والذي يسري إلى الجوارح من الطاعات والمعاصي إنما هي آثاره، فإن أظلم أظلمت الجوارح، وإن استنار استنارت.


اشترك في آخر تحديثات المقالات عبر البريد الإلكتروني:

0 الرد على "ما هو الركن الرابع من أركان الاختيار في الإنسان؟"

إرسال تعليق

إعلان أسفل عنوان المشاركة

إعلان وسط المشاركات 1

إعلان وسط المشاركات اسفل قليلا 2

إعلان أسفل المشاركات