الركن الثالث من أركان الاختيار في الإنسان وجود العقل، فقد جعله الله غريزة في قلوب الممتحنين من عباده إظهارا لحكمته، وهو يمثل صمام الأمان في منطقة حديث النفس أو اختيارات الإنسان، فهو يقوم بجمع المعلومات الواردة من الخواطر في الداخل، أو حواس الإنسان في الخارج، ثم يقوم بتحليلها وتمييزها، ثم تخزينها في الذاكرة لاستدعائها وفق إرادة الإنسان، والوظيفة الأساسية التي يقوم بها العقل تمييز الخير من الشر حسب منهج تكليفي محدد، إما من وضع البشر وقوانينهم المظلمة، أو من وضع خالقهم وقوانينه المحكمة، والمسئولية واقعة على عاتق الإنسان.


وما يدركه الإنسان بعقله نوعان، النوع الأول معرفة الأسماء وحدودِ الأشياء والعلمُ بخصائصها، والإنسان يكتسب هذا العلم بطريقة تلقائية من بداية حياته إلى يوم وفاته. أما النوع الثاني فهو معرفة الطريق الشرعي التكليفي الذي يترتب عليه الثواب والعقاب في الآخرة. ومن هنا كان جميع العقلاء مكلفين بالبحث عن طريق النجاة الذي بينه الله ببعث الرسل ونزول الملائكة بالكتب للتعريف بأحداث القيامة، فالإيمان بالكتب من أركان الإيمان التي تحقق الحكمة الإلهية.

واعلم أن الرسالات السماوية إنما أنزلها الله سبحانه وتعالي تحقيقا لحكمته في قيام حجته على سائر العقلاء، لعلمه سبحانه أن العاقل لا يمكن أن يحيا بغير طريق للهداية يميز فيه بعقله بين ما ينفعه وما يضره، لأن العقول تختلف في نظرتها إلى الأشياء حسنا وقبحا، فما يراه عاقل خيرا يراه غيره شرا، ولذلك قال الله تعالى: مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا الإسراء: ١٥. فجعل الله سبحانه الإيمان بالكتب والرسل ركنين أساسيين من أركان الإيمان اللازمة لكل مسلم، بل لا يصح الدين إلا بها لأنهما من كمال الحكمة في تحقيق مقومات الاختيار، ولأن كمال الحجة وهداية الخلائق لا تكون إلا بذلك .

والمراد بالإيمان بالكتب، الإيمان بكلام الله الذي أوحاه إلى رسله عليهم السلام، سواء ما أنزله مكتوبا بيد الله سبحانه وتعالي كالتوراة، أو أنزله عن طريق طرق الوحي المختلفة كالإنجيل والقرآن. كما أن الإيمان بالكتب والتصديق بجميعها إقرار بقيام الحجة على السابقين وكمال الحكمة في أفعال رب العالمين، فيجب اعتقاد أنها كلها من الله تعالى أنزلها على رسله بالحق والهدى والنور، وأن من كذب بها فهو خارج من الدين جاحد كفور.

وكما أن الإيمان بالكتب التي نزلت على الأنبياء والرسل ركن من أركان الإيمان، فإن الإيمان بالرسل التي بعثت بتلك الكتب ركن آخر من أركان الإيمان، فلا بد من الإيمان بهم جميعا، لأنهم يمثلون القدوة العليا والنموذج الأعلى لسائر العقلاء، وقد جاءوا بالمنهج الأسمى قولا وعملا واعتقادا لمن أراد الخير الأعلى في الدنيا والآخرة، فليس بعد نعيم الجنة من خير، وليس بعد عذاب النار من شر، وهذا مدون في القرآن كما هو مدون في كتب الأنبياء السابقين.قال تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ، وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ، إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى ، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى . الأعلى:١٦/١٩.

والإيمان بالرسل يقتضي اعتقاد ما أخبر الله سبحانه وتعالي به عنهم في كتابه وأخبر به صل الله عليه وسلم في سنته إجمالا وتفصيلا، فالإيمان المجمل هو التصديق الجازم بأن الله سبحانه وتعالي بعث في كل أمة رسولا يقيم الحجة على العقلاء منهم، ويدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما يعبد من دون الله سبحانه وتعالي، ويقتضي الإيمان المجمل بالرسل الإيمان بأنهم صادقون هداة مهتدون كرام بررة راشدون، حنفاء أتقياء أمناء، وبأنهم كلهم كانوا على الحق المبين، وتمسكوا بحبل الله المتين، جاءوا بالبينات من ربهم إلى أقوامهم، وأن أصل دعوتهم واحدة، وهي الدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالي، وأما شرائعهم فمختلفة، وأنهم قد بلغوا جميع ما أرسلوا به البلاغ المبين، فقامت بذلك الحجة على الخلق. ويجب الإيمان بأن الرسل بشر مخلوقون، ليس لهم من خصائص الربوبية شيء، وإنما هم عباد أكرمهم الله سبحانه وتعالي بالرسالة وقيادة البشرية إلى الفضيلة.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©