ما هو حال القلب في منطقة الكسب مع الملك والشيطان؟

ذكر ابن القيم رحمه الله أنك إذا تأملت حال القلب مع الملك والشيطان رأيت أعجب العجائب، فهذا يلم به مرة، وهذا يلم به مرة، فإذا ألم به الملك حدث بسبب لمته الانفساح والانشراح، والنور والرحمة والإخلاص، والإنابة ومحبة الله، وإيثاره على ما سواه، وقِصر الأمل والتجافي عن دار البلاء والامتحان والغرور، فلو دامت له تلك الحالة لكان في أهنأ عيش وألذه وأطيبه، ولكن تأتيه لمة الشيطان، فتحدث له من الضيق والظلمة والهم والغم والخوف والسخط على المقدور والشك في الحق والحرص على الدنيا وعاجلها والغفلة عن الله ما هو من أعظم عذاب القلب، ثم للناس في هذه المحنة مراتب لا يحصيها إلا الله، فمنهم من تكون لمة الملك أغلب من لمة الشيطان وأقوى، فإذا ألم به الشيطان وجد من الألم والضيق وسوء الحال بحسب ما عنده من حياة القلب، فيبادر إلى طرد تلك اللمة ولا يدعها تستحكم، فيصعب تداركها، فهو دائما في حرب بين اللمتين والعاقبة للتقوى .

 ومنهم من تكون لمة الشيطان أغلب عليه وأقوى، فلا تزال تغلب لمة الملك حتى تستحكم، ويصير الحكم لها فيموت القلب، ولا يحس ما ناله الشيطان به مع أنه في غاية العذاب والضيق ولكن سكر الشهوة والغفلة حجب عنه الإحساس بذلك الألم، فإذا كشف الحجاب أمكنه تداركه بالدواء وحسمه، وإن عاد الغطاء عاد الأمر كما كان حتى ينكشف عنه وقت المفارقة للدنيا فتظهر حينئذ تلك الآلام والهموم والغموم والأحزان وهي لم تتجدد له، وإنما كانت كامنة تواريها الشواغل، فلما زالت الشواغل ظهر ما كان كامنا وتجدد له أضعافه.

لقد تجلت حكمة الله في وجود إرادة الإنسان بين قرينين اثنين هما الملك والشيطان، الملك القرين يهتف بأمر الله للإنسان، ويدعو بإذنه إلى الخير والإيمان كلما هتف له الشيطان بالكفر والفسوق والعصيان. فظهر بهذا سر العداء بين الإنسان والشيطان، وظهر فيه حقد الشيطان على الإنسان، لأن الله سبحانه وتعالي استخلفه في الأرض بالحق والميزان، وظهر عدل الله في الشيطان وفضله سبحانه وتعالى على الإنسان، حيث لم يجعل للشيطان سلطانا على الإنسان إلا أن يدعوه إلى العصيان بالوسوسة فقط.

والإنسان حر في الاستجابة لندائه أو الاستجابة للملك في دعائه، فقد وكل الله سبحانه وتعالي الملك ليلازم الإنسان، ويدعوه إلى الخير في مقابل دعوة الشيطان، كما أن الله سبحانه وتعالي يذكر الإنسان على لسان أنبيائه ورسله بمكر الشيطان، وتلبيسه وتدليسه على الإنسان، فأي كمال في تفسير وجود الخير والشر والعداوة بين الإنسان والشيطان أفضل من هذا البيان الذي كشفته آيات القرآن !!

ومعنى ذلك أن الإرادة الإنسانية بين نازعين وهاتفين، هاتف يوافق نازع التقوى في القلب وهو الملك، وآخر يوافق نازع الهوى وهو الشيطان، وليس لأحدهما إلزام ولا إجبار للإرادة على اختيار هذا الجانب دون ذلك، فليس أحدهما مرجحا لفعل دون فعل، وإنما هما هاتفان وداعيان فقط، كما أن لمة الملك التي نصت عليها الأحاديث ليست إلا إيعاذا بالخير دون الإجبار عليه، ونحن لا ندرك كيفية حدوث الإيعاذ بالخير الذي يهتف به الملك، أو كيفية الوسوسة التي تتم من الشيطان، ولكننا نشعر به في قرارة أنفسنا، فالملك والشيطان وحقيقة الروح من الأمور التي حجب الله سبحانه وتعالي كيفيتها عن الإنسان في الدنيا ولكنها حقائق موجودة .

وقال ابن القيم: (وأول ما يطرق القلب الخطرة، فإن دفعها استراح مما بعدها، وإن لم يدفعها قويت فصارت وسوسة، فكان دفعها أصعب، فإن بادر ودفعها وإلا قويت وصارت شهوة، فإن عالجها وإلا صارت إرادة، فإن عالجها وإلا صارت عزيمة، ومتى وصلت إلى هذه الحال لم يمكن دفعها، واقترن بها الفعل ولا بد، وحينئذ ينتقل العلاج إلى أقوى الأدوية وهو الاستفراغ التام بالتوبة النصوح) ( ).

اشترك في آخر تحديثات المقالات عبر البريد الإلكتروني:

0 الرد على "ما هو حال القلب في منطقة الكسب مع الملك والشيطان؟"

إرسال تعليق

إعلان أسفل عنوان المشاركة

إعلان وسط المشاركات 1

إعلان وسط المشاركات اسفل قليلا 2

إعلان أسفل المشاركات