الاثنين، 26 أغسطس 2019

لا يصح في عقيدة أهل السنة والجماعة إحصاء الأسماء الحسنى التوقيفية من النصوص القرآنية فقط؛ واستبعاد الأحاديث النبوية، لأن الإجماع قائم على أن الوحي الذي نزل على رسول الله صل الله عليه وسلم ليس قرآنا فقط، بل هو قرآن وسنة؛ قال تعالى: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى/   النجم:٣/٤.

ومن عقيدة أهل السنة أن الاحتجاج بصحيح السنة النبوية كالاحتجاج بالآيات القرآنية سواء بسواء، فالسنة حجة مستقلة في تشريع الأحكام، وأنها كالقرآن الكريم في تمييز الحلال من الحرام، وأنها المصدر الثاني لمعرفة أصول الإسلام، وأنها المفصحة عن معاني القرآن، والموضحة لأوامره وأخباره، والكاشفة عن تأويل النص وبيان أسراره، فالنقل الصحيح الثابت في القرآن والسنة حجة؛ يوجب على المسلم تصديق الخبر، وتنفيذ الطلب؛ ولا فرق أيضا في الاحتجاج بالسنة النبوية بين باب الأحكام الفقهية، وباب القضايا الاعتقادية.

ومجرد الاكتفاء بإحصاء الأسماء الحسنى من القرآن دون السنة تنقيص لمكانة الوحي الثابت في السنة. وقد أكد القرآن بوضوح لا لبس فيه أن السنة النبوية وحي من الله عز وجل يجب الإيمان به، ويجب اتباع الرسول صل الله عليه وسلم في كل شيء وفي كل وقت؛ في حياته وبعد مماته؛ فيجب تصديق الرسول صل الله عليه وسلم في خبره، والطاعة لأمره، ولذلك لا يحتج بما فعله بعض السلف كسفيان بن عيينة، وأبي زيد اللغوي، وجعفر الصادق، في طريقتهم لإحصاء الأسماء الحسنى، حيث جمعوا الأسماء من القرآن، وتركوا جمعها من السنة، ومعلوم أن فعلهم ليس حجة لأحد في تركه لإحصاء الأسماء من السنة.

وكذلك لا يحتج بما فعله العلامة ابن حجر العسقلاني في أخذه الأسماء من القرآن دون السنة، وينبغي أن نتلمس العذر لهم، فهم ما فعلوا ذلك إنكارا للسنة! حاشاهم، ولكنهم ظنوا كما ظن ابن حجر أنه يمكن إحصاء الأسماء المطلقة التسعة والتسعين من القرآن وحده. وقد بان لنا أن العلامة ابن حجر تمنى أن يعيد النظر في منهجه كله ليحصي جميع الأسماء المطلقة فقط من القرآن والسنة معا، غير أن مشقة إحصائها بالمنهج الاستقرائي من السنة كلها مشقة كبيرة جدا، والأجل لم يسعفه ليفعلها، فرحمه الله رحمة واسعة حيث قال: (ويتتبع من الأحاديث الصحيحة تكملة العدة المذكورة، فهو نمط آخر من التتبع، عسى الله أن يعين عليه بحوله وقوته آمين)

وقد كان العلامة ابن حجر يظن في بادئ الأمر أن الأسماء المطلقة في القرآن سيصل عددها إلى تسعة وتسعين اسما، ولذلك حذف من الأسماء المشهورة أربعة أسماء صحيحة صريحة، واردة بصيغة الاسم في صحيح السنة، وهي المقدم المؤخر، مع ورود نصهما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه وسلم قال: (أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إِله إِلا أنت، أو لا إِله غيْرك)

. وكذلك حذف القابض الباسط وقد وردا في حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: (إِن الله هو المسعِّر القابِض الباسِط الرّازق)

والقصد أن محاولات بعض علماء السلف ومن جاء بعدهم في تعيين التسعة والتسعين اسما، كلها اجتهادات مأجورة، لكنها تحتوي على أمور غير مقبولة، فلا يصح الأخذ بالأسماء الواردة في القرآن، وترك الأسماء الواردة في السنة فذلك خطر عظيم، ولا يجوز للمسلم تقليد جمع أحد إلا إذا وجد الدليل التوقيفي الذي ورد فيه النص على ذكر الاسم بصيغته، سواء من القرآن أو من صحيح السنة، مع تقديرنا لجهود السابقين، ووجوب حمل كلامهم على ما يليق بهم، فلا نقلل من شأنهم، ولا نقدح في علمهم، وإنما القصد أن نتمسك بالحق بعيدا عن التعصب الأعمى للرجال، فالحق لا يعرف بالرجال، ولكن يعرف الرجال بالحق.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©