الثلاثاء، 13 أغسطس 2019




من خصائص الإله المعبود بحق أن يكون له الكمال المطلق في الأسماء والصفات والأفعال من جميع الوجوه، كمالا لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون له وحده، ويمنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره، فمن جعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله، ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة .
ومن خصائص الإلهية أو العبودية قيامها على ركنين أساسيين، وهما غاية الحب مع غاية الذل، وهذا تمام العبودية، وتتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين، فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه، وهذا من المحال أن تأتي به شريعة من الشرائع، بل قبحه مستقر في كل فطرة وعقل، ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم، وأفسدتها عليهم، واجتالتهم عنها، فأرسل الله إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه بما يوافق فطرتهم وعقولهم .
إن العابد معظم لمعبوده متأله خاضع ذليل له، والرب تعالى وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والجلال والتأله والتذلل والخضوع، وهذا خالص حقه، فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه لغيره، أو يشرك بينه وبين غيره فيه، ولاسيما الذي جعل شريكه في حقه، هو عبده ومملوكه، فإذا كان السيد يأنف أن يكون مملوكه وخادمه شريكا له في رزقه، فكيف يجعلون لله من عبيده شركاء فيما انفرد به من الإلهية التي لا تنبغي لغيره، ولا تصح لسواه، فمن زعم ذلك فما قدر الله حق قدره كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ،
مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الحج:٧٣/٧٤.
ومن المعلوم عقلا ونقلا أن الاستعانة بالغير، أو الاستغاثة به، أو دعاءه وسؤاله يرتبط باعتقاد في القلب قائم على أن من استعنت به قادر على تحقيق مطلبك وتلبية رغبتك، وإلا كان سؤاله عبثا، والطلب يعد لغوا ولهوا، ولذلك فإن من توجه بالسؤال والنداء والطلب والدعاء إلى الله عز وجل يعلم أنه متصف بالكمال في الذات والصفات والأفعال، لأن التوجه إلى الله عز وجل الغني بذاته هو التوحيد الذي يناسب العقل والفطرة، وفي المقابل فإن الطلب من غير الله فيما يقدر على القيام به، وفيما أجراه الله عز وجل على يديه من أسباب لا يعد مخالفا للعقل أو الكتاب والسنة، وإنما الطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه كالطلب من الأموات والأضرحة والقباب، فهو الشرك بالله حقا، وهو الظلم العظيم، لأنه يستلزم تشبيه المخلوق بالخالق.
ومن ثم فإن دعاء الأموات، أو طلب المدد منهم ينافي التوحيد والإخلاص، ويثبت للميت بدعائه وصف الغنى والكمال من جهة، ويثبت في المقابل للداعي أوصاف العبودية والافتقار، والحاجة والاضطرار، وغير ذلك من معاني الخضوع والعبودية والإذلال، فالذي يطلب المدد من الميت المقبور يثبت له صفة الحياة ؛ لأنه لو اعتقد في قلبه أنه ميت ما توجه إليه بالنداء ودعاه، وكذلك يثبت صفة السمع والبصر، والعلم والإرادة، والقدرة والغنى، فالفقير لا يدعى ولا يقصد، لقد نفى الله تعالى جميع الصفات اللازمة لإجابة الدعاء عمن توجهوا إليهم، وأثبت في المقابل فقرهم وضعفهم وعجزهم، فإذا توجه عاقل بعد ذلك إلى ميت مقبور واستغاث به أو دعاه بما يدل لازمه على الكمال الذاتي للمدعو في غناه، دل ذلك على وجود الشرك في قلبه، ورسوخه في نفسه، قبل أن ينطق به على لسانه، فانظر مثلا إلى قول القائل في دعاء قبر البدوي، أو ابن الرفاعي:
يا من هو البحر الخضم إذا جرى : جاءت لك الزوار من أقصى القرى
كل ينـادى يستغـيث لمـا جرى : فلقد حويت الفضل يا غوث الورى
هل يوجد مسلم عاقل يزعم أن البدوي أو ابن الرفاعي هو غوث الورى، يأتيه الملهوف من أقصى القرى؟ إن كان هؤلاء هم غوث الورى، فماذا تركوا لرب العزة والجلال؟
قال تعالى: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ النمل:٦٢.
هذا الشِّرْك أعظم عند الله من قتل النفس التي حرم الله، وأعظم من الزنا، وشُرب الخمر؛ لأن لازمه وصف الله عز وجل بالنقص، ومساواته سبحانه بمن اتصف بالفقر والعجز.
وقد ذكر ابن القيم أن الذي أوقع عباد القبور في الافتتان بها مع العلم بأن ساكنيها أموات، لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياتا ولا نشورا، الاعتقادات الشركية المبنية على حكايات حكيت لهم عن تلك القبور، أن فلانا استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها، وفلانا دعاه أو دعا به في حاجة فقضيت له، وفلانا نزل به ضر فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره، وعند السدنة والمشرفين على هذه القبور من ذلك شيء كثير يطول ذكره، وهم من أكذب خلق الله تعالى على الأحياء والأموات
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©