ما دون في أم الكتاب لا يقبل المحو والتبديل، أو التعديل والتغيير، فكل ما كتب فيه واقع لا محالة، وسر ذلك أن عملية إنشاء الخلائق وتكوينها، وتصنيع الأشياء وإيجادها قائمة على ما دون في اللوح من تقديرات، وما خط فيه من كلمات تبين الحال الذي ستكون عليه هيئات المخلوقات، وما تتطلبه تلك الكيفيات من إمدادات القدرة، فالمخلوقات وسائر المصنوعات إلى قيام الساعة قد أحكم الله غاياتها إحكاما تاما، وقضى في اللوح أسبابها قضاء مبرما، فلا تتغير معلومات بنيان الخلق الذي قدره الحق إلا بعد استكماله وإتمامه، ولا يتبدل سابق الحكم في سائر الملك إلا بقيامه على ما قدره بتمامه.

وهذه مشيئة الله في خلقه، وما قضاه وقدره في ملكه، فالله عز وجل على عرشه في السماء يفعل ما يشاء، حكم بعدله أن تقوم الدنيا على حقيقة الابتلاء، ثم يتحول العالم بعد ذلك إلى دار الجزاء، ولذلك ينبهنا الله عز وجل في كثير من المواطن إلى أنه قادر على أن يفعل ما يشاء، لولا ما دون في أم الكتاب من أحكام القضاء. قال تعالى:  مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

الأنفال:٦٧/٦٨.


والمعنى المراد من الآية أنه لولا أن الله كتب في أم الكتاب أنه سيحل لكم الغنائم لمسكم فيما تعجلتم من المغانم وقبول الفداء يوم بدر عذابٌ عظيم، ولولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب من أتى ذنبا عن جهالة لعوقبتم، ولولا ما كتبه الله في اللوح والمحفوظ لأهل بدر أن الله لا يعذبهم لعذبتم.

وقال تعالى: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يونس:١٩.

والمعنى لولا كلمةٌ سبقت من ربك بإمهال العاصين وعدم معاجلتهم بذنوبهم، لقضي بينهم  بأن ننجي المؤمنين، ونهلك الكافرين المكذبين، وصار هذا فارقا بينهم فيما فيه يختلفون، ولكنه أراد امتحانهم وابتلاء بعضهم ببعض ليتبين الصادق من الكاذب.

وقال تعالى: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى طه:١٢٩. والمعنى لولا كلمة سبقت من ربك يا محمد أن كل من قضى الله له أجلا فإنه لا يتجاوزه، كما سماه له في أم الكتاب وخطه فيه، وهو بالغه ومستوفيه، للازمهم الهلاك عاجلا قبل موعده، فاصبر على ما يقولون.

وهكذا اقتضت حكمته أنه خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا ليكون منهم السعداء والأشقياء، والمتفقون والمختلفون، والفريق الذين هدى الله، والفريق الذين حقت عليهم الضلالة، ليتبين للعباد عدله وحكمته، وهكذا تتم كلمة الله التي دونت في اللوح المحفوظ.

والعقلاء يعلمون بقياس الأولى أن العلماء الخبراء العظام لو اجتمعوا على وضع خطة محكمة لبناء مشروع عملاق، أو أي مشروع من المشروعات، وجسدوا له مجسما مصورا في ورقات ولوحات، بعد أن درسوا فيها جميع الجوانب بمختلف المقاييس والدراسات، وراعوا في خطتهم حكمة الموازنة بين السلبيات والإيجابيات، ووضعوا تخطيطا محكما لا مجال فيه للإضافات، ثم انتهوا إلى تقرير شامل دونوه في كتاب كامل أو مجموعة من الملفات، ثم قدموا هذا المكتوب لإدارة التنفيذ والمشروعات، هل يصح بعد ذلك لعامل أن يعترض على المكتوب وهو جاهل بحقيقة الأمر من بدايته وينقصه العلم والفهم، وهل يحق له أن يغير أو يبدل في مثل هذا المشروع الضخم؟ هل يصح أن يعبث فيه حسب هواه، أو يغير في تخطيطه وفق ما يراه، دون أن يراعي الحكمة العليا والغاية العظمى من تأسيسه وإنشائه؟ فالله عز وجل وله المثل الأعلى كتب مقادير كل شيء، ورفعت الأقلام وجفت الصحف حتى يتم الخلق على ما قضى به الحق، لأن العالم موضوع على تخطيط محكم شامل، ولا يصح الاعتراض على القدر من قبل جاهل قصير النظر.

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©