اتفق أهل السنة والجماعة على مراتب العلم الإلهي، وهي علم الله تعالى بما كان، وما هو كائن، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. قال ابن كثير: (وهو تعالى العالم بما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فيعلم الشيء قبل كونه، ومع كونه على ما هو عليه، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، ولا راد لما قدره وأمضاه، وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة)


ونظرا لأهمية هذه العقيدة المتعلقة بعلم الله عز وجل وتعلقه بمعلوماته، يمكن بيان مراتب العلم الإلهي على النحو التالي:

1- علمه بالشيء قبل كونه: وهو علم التقدير، وما سيقع بقدرة القدير، وهو سر الله عز وجل في خلقه، أخفاه ربنا سبحانه وتعالى فلا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وهو المراد بقولهم: عالم بما سيكون. وهو المقصود بالمرتبة الأولى من مراتب القدر، وهو علم مفاتيح الغيب وتقدير الأمور.

2- علمه بما لم يكن لو كان كيف يكون، وهو علمه بما لم يقع من خلق جديد، لو أنه قدره كيف سيكون شأنه، ويدخل فيه علمه بما في اللوح بعد كتابته، وقبل إنفاذ مشيئته، فالله عز وجل كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم، فالمخلوقات في اللوح عبارة عن كلمات، وتنفيذ ما في اللوح من معلومات تضمنتها تلك الكلمات مرهون بمشيئته في تحديد الأوقات المناسبة لأنواع الحكم والابتلاءات، وكل ذلك عن علمه بما في اللوح من حسابات وتقديرات، فتلك الكلمات قضاها الله عز وجل بحكمه المبرم أنها ستقع لا محالة كما قدرها، وإن لم يتحقق وقوعها بعد.

3- علمه بما هو كائن، وهو علمه بالشيء حال كونه وتنفيذه، وتخليقه وتصنيعه، كما قال تعالى:هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ\  الحديد:٤.

 وقال: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ - النجم:٣٢.

وينبغي أن يعلم أن علم الله تعالى واحد؛ لأنه وصف ذاتي قائم بالموصوف ومن لوازم كماله، فلا يتبدل ولا يتغير، وإنما تتبدل الأحوال التي للمعلوم، حيث تتغاير المعلومات، ولا يتغير العلم ولا العليم، ولا القدرة ولا القدير، والأمر في ذلك متعلق بصفة التقدير، وفعل التقدير هو الذي يتعلق بمشيئة الله، ووقوع المقدر الذي ارتبط وقوعه بزمان ومكان.

4- علمه بالشيء بعد كونه وتخليقه وإحاطته الشاملة والكاملة بعد تمامه وانتهائه، وهو قولهم: عالم بما كان. قال الله عز وجل: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ -  الأنعام:٥٩.

وقد تضمنت هذه الآية علم التقدير، وهو العلم التفصيلي اللازم لتخطيط عملية إنشاء كل ما في البر والبحر، وكل حبة في ظلمات الأرض، وكل ورقة تنمو على شجرة، ثم علمه بها بعد أن رفع القلم عن كتابتها في اللوح كقضاء مبرم سوف ينفذ لا محالة، ثم علمه بها حال إنشائها وظهورها وخلقها حتى اكتمالها، ثم إمدادها بمقومات حياتها، ثم علمه بها عند انتهائها وسقوطها واضمحلالها، ولذلك عبر بقوله: وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولم يقل: وما تنشأ من ورقة، لأن سقوطها يتضمن مراتب العلم في تعلقها بمعلوماتها.

وقد بين الله عز وجل بعد هذه الآية التي تتضمن الدلالة على مراتب العلم وتعلقاته، أنه لما خلق عباده لم يخلقهم، وينعزل عنهم، بل تولاهم، وهو عليم بحالهم في ليلهم ونهارهم، أحاط بما كسبته جوارحهم، وكتبها عليهم كتابة أخرى تحقق الحكمة عند حسابهم. قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ \  الأنعام:٦٠.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©