كيف ترد على شبهة القدرية المعتزلة في نفي القدر؟

سبب الضلال الذي وقعت فيه القدرية المعتزلة أنها لا تفرق بين نوعي الهداية أو نوعي التدبير، فيعتبرون تقدير الله الذي كتبه في لوحه قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة يعتبرون ذلك ظلما في حق الكافرين لأن الله لو قدر الكفر والضلال على الكافرين ثم عذبهم على ما خلقه فيهم لكان ظالما لهم، ويقول قائلهم متسائلا: لو فرضنا أن إنسانا كتب الله عليه في اللوح المحفوظ أنه كافر مخلد في النار، ثم أطاع رب العزة والجلال طول الحياة، ومات على الطاعة في هذه الدار، فهل سيدخل الجنة أم النار؟

 والجواب أن هذه شبهة إبليس، ولا يقع فيها إلا أصحاب التدليس من المعتزلة، وسبب هذه الشبهة هو إقرار السائل على الخطأ الذي اقترفه في سؤاله، فالذي يفترض أن إنسانا ما كتب الله عليه في اللوح المحفوظ أنه كافر مخلد في النار، نقول له: فرضك خاطئ، فمن أين علمت أن الله عز وجل كتب عليه في اللوح المحفوظ أنه كافر مخلد في النار؟ لقد فاتك احتمال أن يكون الله عز وجل قد كتب عليه في اللوح المحفوظ أنه مؤمن مخلد في الجنة. فالذي فرضت أنه كافر في اللوح المحفوظ، ربما كتبه في اللوح المحفوظ مؤمنا، والعكس صحيح، فالقول بالاحتمال الواحد لشخص ما أنه مكتوب كافر في اللوح المحفوظ والتقدير السابق، قول على الله عز وجل بلا علم، وهو رجم بالغيب، فعلم الغيب هو سر القدر، وهذا السر أخفاه الله عز وجل لتصح الحكمة ويصح الجزاء على العمل، ولذلك لا يمكن لأحد أن يطلع  على ما في اللوح لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فالحال ليس كما فعلت المعتزلة في تصويرهم للوح المحفوظ كأنه جريدة صحفية مرئية أو غير مخفية، أو كتاب من كتب البشر يقرؤونه كما يشاءون، ثم يحاسبون ربهم لم كتبت هذا شقيا وهذا سعيد؟ ولو كتبت على فلان أنه كافر ثم عذبته لكان ظلما منك له؟ ولو كان كذا في اللوح، لكان كذا وكذا وكأن اللوح عندهم مطروح لمناقشته في رسالة علمية، تعالى الله عن قولهم.

وإنما يصح احتجاجهم لو قالوا: لو فرضنا أن إنسانا أنزله الله من بطن أمه، مكتوب على وجهه: كافر مهما فعلت وستدخل النار، وعلم هذا الإنسان أن قدره ومصيره إلى النار مهما أطاع رب العزة والجلال! عندها يصح احتجاج المعتزلة، ويكون الأمر ظلما بالفعل ومنافيا للعدل، وهذا لم يحدث أبدا، فما من إنسان يعلم مصيره غدا، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  لقمان:٣٤.

بل الواقع يشهد أن كل إنسان منا نزل من بطن أمه، وليس له إلا أن يأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى تحقيق مراده، فمن أراد الجنة أخذ بالأسباب المؤدية إليها، ومن أراد النار أخذ بالأسباب المؤدية إليها، فليس لنا غير العمل، وسيقع ما أخفاه الله في القدر، وليس أفضل من قول النبي صل الله عليه وسلم لسراقة بن مالك رضي الله عنه: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ صل الله عليه وسلم:  فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ، وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى  .   الليل:٥/١٠.

ومن هنا كان شعار المعتزلة الذي رفعوه في الأصل الثاني من أصولهم الخمسة والمسمى عندهم بالعدل شعارا باطلا.

اشترك في آخر تحديثات المقالات عبر البريد الإلكتروني:

0 الرد على "كيف ترد على شبهة القدرية المعتزلة في نفي القدر؟"

إرسال تعليق

إعلان أسفل عنوان المشاركة

إعلان وسط المشاركات 1

إعلان وسط المشاركات اسفل قليلا 2

إعلان أسفل المشاركات