لا يصح ذلك إلا على التقييد؛ فيصح القول بأن الإنسان خليفة لله في الأرض على وجه الابتلاء والامتحان؛ لأن الاستخلاف قد يكون كمالا في حال ونقصا في حال، فلا يصح إثبات الوصف لرب العزة والجلال إلا مقيدا بموضع الكمال، وذلك شأن جميع صفات الأفعال المقيدة التي لا يصح إطلاقها، فلا يجوز القول: إن الإنسان خليفة لله صل الله عليه وسلم على الإطلاق، ولكن يجوز القول: إن الإنسان خليفة لله على معنى الابتلاء، والتقييد بهذا المعنى فيه الكمال والجمال، ويشهد لحكمة الله صل الله عليه وسلم بالعظمة والجلال، وقد دلت نصوص القرآن والسنة على أن استخلاف الإنسان له معنيان:


 


الأول: استخلاف عن نقص الأوصاف بحكم طبيعة الإنسان، ويكون عند عجز المستخلف عن القيام بملكه، أو تدبير أمره، إما لغيابه أو قلة علمه، وإما لمرضه أو موته، كاستخلاف القائد نائبا على جنده أو قومه، كما ورد ذلك في قوله تعالي:وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ  الأعراف:١٤٢.


 


الثاني: استخلاف عن كمال الأوصاف، وذلك إذا كان لتشريف الإنسان وإكرامه، أو اختباره وامتحانه، وليس لعجز المستخلف عن القيام بشؤونه، ومثال ذلك امتحان الأستاذ لطلابه وهو يراقبهم من بعيد فيراهم ولا يرونه كمن، ولله المثل الأعلى ــ ويجوز في حق الله قياس الأولى ــ يصح القول: إن الإنسان خليفة عن الله صل الله عليه وسلم في الأرض على وجه الابتلاء والامتحان، لأن هذا الوجه كله كمال لا عجز فيه ولا نقصان.


 


ومن ثم فإن الله عز وجل لما قال لملائكته مبتليا لهم:وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ البقرة:٣٠.


 


فإن خلافة الإنسان في الأرض تحقق فيها معنيان جامعان، الأول أن يخلف بعضهم بعضا على وجه النقص والقصور في حياة الإنسان، والثاني أنه خليفة لله في الأرض على وجه الابتلاء والامتحان، وكل الآيات التي وردت في خلافة الإنسان للأرض تدل على المعنيين معا: أن الإنسان خليفة لمن سبق من الذرية عن نقص في الأوصاف البشرية، وخليفة لله على وجه الكمال، استخلفه رب العزة والجلال لإظهار المعاني الشرعية وتوحيد الله في العبودية، غير أنه لا حول له ولا قوة في معاني الربوبية، فالله صل الله عليه وسلم من فوق العرش معه يتابعه، يراه ويسمعه، وهذا مقتضى الاستخلاف المبني على معاني الابتلاء والاختبار، ومعاني الأمانة والانتظار إلى دار الجزاء والاستقراء إما في جنة وإما في نار، نعوذ بالله منها.


كتاب سهل - الرضواني

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©