مصطلح إسقاط التدبير من المصطلحات التي تتطلب بيانا وتحقيقا، فالتدبير قد يُراد به تدبير الله لعبده، وهذا كما سبق على نوعين: تدبير كوني بمعنى المشيئة والإرادة الكونية، وتدبير شرعي بمعنى المحبة والإرادة الشرعية، وقد يُراد به تدبير العبد لنفسه، وهي إرادة العبد واختياره ما يشاء من خير أو شر، فإن أريد بإسقاط التدبير أن العبد يسقط تدبير الله الكوني، فهذا باطل لأنه لا حيلة له فيه، فالتدبير الكوني هو قضاء الله وقدره، ومشيئته الواقعة في خلقه، وهي سارية لا محالة في الخلائق أجمعين، سواء كانوا مؤمنين أو كافرين.

وإن أُريد بإسقاط التدبير أن العبد يسقط تدبير الله الشرعي، ولا يتبع أحكام العبودية، وأنه وصل كما زعم كثير من غلاة الصوفية إلى مرتبة الحرية من العبودية والتكاليف الشرعية، فهذا كفر وزندقة واتباع لمذهب الجبرية، فما من إنسان إلا وهو مكلف باتباع الشرع وأحكام العبودية، ومكلف بفعل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، ولا يسعه قط أن يسقط هذا التدبير الشرعي، أو يخرج عنه بأي حجة أو حال من الأحوال.

وإن أُريد بإسقاط التدبير أن العبد يخالف ما يهواه، ويريد الطاعة لله ورسوله صل الله عليه وسلم، ويسقط اختياره الشخصي تفضيلا منه للتقيد بتدبير الله الشرعي والعمل باختيار الله الديني التكليفي، فهذا صديق وولي من أولياء الله، قد وفقه الله إلى ما يحبه ويرضاه، فتوافقت إرادة العبد مع إرادة الله الشرعية، ومن ثم توافقت مع إرادة الله الكونية، وهذا هو التوفيق الذي نسأل الله أن يوفقنا إليه في هذه الحياة.

وقد سئل سهل بن عبد الله التستري عمن قال: أنا كالباب لا أتحرك إلا أن يحركوني، فقال: لا يقول هذا إلا صديق أو زنديق( ). وهو يشير إلى انضباط الإرادة البشرية في اختياراتها وتأثيرها على حركة الإنسان، بحيث لا تتحرك إلا على مراد الله الكوني أو مراده الشرعي، كالباب لا يتحرك إلا بمراد الإنسان الذي حركه، فإن ضبط إرادته على مراد الله الشرعي كان صديقا، وإن ضبط إرادته على مخالفة مراد الله الشرعي محتجا على معصيته بأنه موافق لمشيئة الله ومراده الكوني كان زنديقا، فقال سهل رحمه الله لمن ادعى أنه لا يتحرك إلا إذا حركوه: لا يقول هذا إلا صديق أو زنديق.

وقد عبر النبي صل الله عليه وسلم عن الولي الصديق بما صح عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه حيث قال صل الله عليه وسلم: (وما تقرّب إليّ عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضْته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به) ( ).

ومعنى ذلك أنه إذا وافقت إرادة العبد إرادة الله الشرعية فإنها ستتوافق مع إرادة الله الكونية، ويكون صديقا مؤمنا وليا مستقيما، جاهد بقوته وعزم إرادته في محبة الله عز وجل والعمل بشريعته، وانضبط عليها فوفقه الله بمشيئته وإرادته الكونية، ومن هنا يظهر لنا معنى التوفيق، فالتوفيق هو اتفاق الإرادات، إرادة العبد مع إرادة الله الشرعية وإرادته الكونية، وهذه الحالة تكون في المؤمن دون الكافر. والمعنى في قوله صل الله عليه وسلم: كنت سمعه وبصره، هو توفيق الله عز وجل لعبده في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء، وتيسير الأسباب التي يأخذ بها للوصول إلى محبة الله ورضاه، بأن يحفظ جوارحه عليه، ويعصمه من الوقوع فيما يكرهه له من الإصغاء إلى اللهو بسمعه، ومن النظر إلى ما نهى الله عنه ببصره، ومن البطش فيما لا يحل له بيده، ومن السعي إلى الباطل برجله، لأنه يحول بين المرء وقلبه تيسيرا لأسباب الطاعة، كما أن الله عز وجل يكرم عبده الصديق الذي يوافق شرع الله موافقة تامة بإجابة الدعاء.

أما الزنديق فهو الذي أثبت القدر محتجا به على الشرع، محاربا له به، نافيا عن العبد قدرته التي منحه الله إياها، ونفى أمره سبحانه ونهيه، فقد نفى الحكمة عن أفعال ربه ونسب الظلم والعبث إليه كالجبرية. قيل لبعض هؤلاء الجبرية الزنادقة: ألم يقل الله: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ الزمر:٧ ؟ فقال: دعك من هذا الكلام. لقد رضي الكفر وأحبه وأراده، ومن أفسدنا غير الله؟ تعالى الله عن قوله علوا كبيرا ( ).
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©