العلاقة بين فعل العبد وفعل الرب كما وردت في كتاب الله وفي سنة رسوله صل الله عليه وسلم، يمكن حصرها في أربعة أنواع:

1- النوع الأول: حال الطاعة، فطاعة العبد لربه تتم بإرادة الله الكونية، وموافقة العبد بإرادته لإرادة الله الشرعية، فتتوافق الإرادات، ويظهر توفيق الرب للعبد، وفعله هنا يُنسب الفضل فيه إلى الله، فهو الذي وفق العبد إلى طاعته، وحقق له مراده بفضله ومنته، فالفضل لله وحده، وإن كان العبد سببا في فعل الطاعة وسيجازى عند ربه بسبب فعله، فالذين قالوا أسلمنا مِنة منهم على نبيهم صل الله عليه وسلم، رد الله الفضل في إسلامهم إلى منته فقال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ - الحجرات:١٧.

فالفضل لله في إتمام طاعة عبده، ويجب على العبد أن ينسب الفضل إلى ربه، فهو الذي حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه. وقال رسول الله صل الله عليه وسلم: (قاربُوا وسدِّدُوا، واعلمُوا أنهُ لن ينجُو أحدٌ مِنكُمْ بِعملهِ، قالوا: يا رسُول اللهِ ولا أنت؟ قال: ولا أنا، إِلا أن يتغمّدني اللهُ بِرحمةٍ مِنهُ وفضْل) .

ودلالة الحديث واضحة في دخول الجنة بسبب العمل، لكن العمل لا يقابل الجزاء، فالجنة منحة من الله عز وجل لأهل التقوى، منحهم أياها بفضله، كما أنه أيضا وفقهم في الدنيا إلى الإيمان والتقوى بفضله، فهم يعلمون أنه لا حول ولا قوة لهم إلا بمعونة ربهم، والعبد لا ينتقل من حال إلى حال إلا بالله، ولا قوة للإنسان على فعل شيء من الطاعة إلا بالله، فلا حول ولا قوة إلا بالله كلمة عظيمة، وكنز من كنوز الجنة.
2- النوع الثاني: من موقف العبد تجاه قدرة الرب وفعله، أو النوع الثاني من العلاقة بين فعل العبد وفعل الرب المعصية، والمعصية ينسب فيها الفعل إلى كسب العبد، وإن تم الفعل بقدرة الرب ومشيئته، قال تعالى عن الطاعة: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ /النساء:٧٩.

وقال في المقابل عن المعصية: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا النساء:٧٩.

فالمعصية لا يصح أن ينسبها العبد إلى الرب، فهذا فعل المشركين الذين قال الله فيهم: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ-الأنعام:١٤٨.

وهنا يأتي معنى الإضلال، لأن الإضلال أصل الانحراف عن الطريق والتخلف عنه وعدم الاتفاق عليه، ولأن إرادة العبد خالفت إرادة الله الشرعية، وإن وقعت عليه الإرادة الكونية، فباعتبار مخالفته للإرادة الشرعية نقول: ضل وننسب المعصية إليه، وباعتبار وقوع الإرادة الكونية الحتمية نقول أضله الله كما قال سبحانه: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ / القصص:٥٠.

والمعصية وإن كانت بقدر الله إلا أنه لا يجوز للعاصي أن يحتج فيها بالقدر، وأنه مسير مجبور على العصيان فهذا فعل الزنادقة. وصاحب هذا الاعتقاد الفاسد لا يكون إلا ظالما متناقضا، إذا آذاه غيره أو ظلمه طلب معاقبته والمبالغة في جزائه والانتقام منه، ولم يعذره بالقدر وأنه مسير مجبور، وإذا كان هو الظالم لغيره احتج هو لنفسه بالقدر وادعى أنه مسير مجبور، فلا يحتج أحد بالقدر على معصيته إلا لاتباع الهوى، وحجته باطلة داحضة فاسدة لا حق معه ولا دليل، ولذلك لما احتج المشركون بالقدر على شركهم بين الله كذبهم وقال لهم: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ / الأنعام:١٤٨ .

ولهذا كان هؤلاء المشركون المحتجون بالقدر إذا عاداهم أحد قابلوه وقاتلوه وعاقبوه وانتقموا منه ولم يقبلوا حجته إذا قال لهم: لو شاء الله ما عاديتكم. بل هم دائما يعيبون من ظلمهم واعتدى عليهم ولا يقبلون احتجاجه بالقدر أبدا، فلما جاءهم الحق من ربهم أخذوا يدافعون ذلك بالقدر، ويقولون نحن مسيرون في شركنا وذنوبنا، وقد رضي الله الشرك لنا، فصاروا يحتجون على ترك الشرع بما لا يقبلونه على أنفسهم.

وهؤلاء يعلمون أنهم لو اعتدوا على محارم أمير أو وزير، لأصابهم عقابه الشديد، فامتثلوا خوفا على أنفسهم من الوعيد، الذي يتوعدهم به مخلوق، ولم يمتثلوا خوفا من ملك الملوك، فانتهكوا محارم الله، وتركوا ما فرضه عليهم في هذه الحياة، فبئست العقيدة التي يكون فيها أمر المخلوق ونهيه أعظم عندهم من أمر الله عز وجل ونهيه.

3- النوع الثالث: في موقف العبد تجاه فعل الرب المصيبة، وهي التي وقعت بقدر الله عز وجل كعلة لابتلاء العبد في موافقته للإرادة الشرعية أو عدمها كما قال الله تعالى مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ / التغابن:١١.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: (هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم) ( ). فالسعيد يستغفر من المعائب، ويصبر على المصائب، والشقي يجزع عند المصائب، ويحتج بالقدر على المعائب.

4- النوع الرابع: المعصية التي تاب العبد منها فيحوز الاحتجاج بالقدر عليها كما حدث في احتجاج آدم وموسى عليهما السلام، وربما يقول قائل: كيف صح لآدم عليه السلام أن يحتج بالقدر على معصيته؟ وكيف لامه موسى عليه السلام بعد توبته؟ وجواب ذلك أن موسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم آدم على ذنب قد تاب منه، كما أن الله عز وجل بعد توبته اجتباه وهداه واصطفاه، كما أن آدم عليه السلام أعرف بربه من أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©