ما هي أحكام العبودية والأوامر التكليفية المتعلقة بالجوارح؟

ذكر ابن القيم رحمه الله أن عبوديات الجوارح على خمس وعشرين مرتبة، ذلك لأن الحواس خمسة، وعلى كل حاسة خمس عبوديات أو أحكام تكليفية، وهي الواجب والمستحب والمباح والمكروه والمحرم، فعلى السمع وجوب الإنصات، والاستماع لما أوجبه الله ورسوله عليه، من استماع الإسلام والإيمان وفروضهما. وكذلك استماع القراءة في الصلاة إذا جهر بها الإمام، واستماع الخطبة للجمعة في أصح قولي العلماء.

ويحرم عليه استماع الكفر والبدع إلا حيث يكون في استماعه مصلحة راجحة من رده، أو الشهادة على قائله، أو زيادة قوة الإيمان والسنة بمعرفة ضدهما من الكفر والبدعة ونحو ذلك، وكاستماع أسرار من يهرب عنك بسره، ولا يحب أن يطلعك عليه ما لم يكن متضمنا لحق لله يجب القيام به، أو لأذى مسلم يتعين نصحه وتحذيره منه، وكذلك استماع أصوات النساء الأجانب التي تحدث الفتنة بأصواتهن إذا لم تدع إليه حاجة من شهادة، أو معاملة أو استفتاء، أو محاكمة أو مداواة ونحوها، وكذلك استماع المعازف وآلات الطرب واللهو، ولا يجب عليه سد أذنه إذا سمع الصوت وهو لا يريد استماعه إلا إذا خاف السكون إليه والإنصات، فحينئذ يجب لتجنب سماعها ووجوب سد الذرائع. ونظير هذا المحرم نظرة الفجاءة لا تحرم على الناظر، وتحرم عليه النظرة الثانية إذا تعمدها. وأما السمع المستحب فكاستماع المستحب من العلم، وقراءة القرآن، وذكر الله، واستماع كل ما يحبه الله وليس بفرض، والمكروه عكسه، وهو استماع كل ما يكره ولا يعاقب عليه، والمباح ظاهر.

 أما أحكام العبودية المتعلقة بحاسة البصر من الجوارح، فمنها الواجب كالنظر في المصحف وكتب العلم عند تعين تعلم الواجب منها، والنظر إذا تعين لتمييز الحلال من الحرام في الأعيان التي يأكلها، أو ينفقها، أو يستمتع بها، والأمانات التي يؤديها إلى أربابها ليميز بينها ونحو ذلك. والنظر الحرام النظر إلى الأجنبيات بشهوة مطلقا وبغيرها إلا لحاجة، كنظر الخاطب والشاهد والحاكم والطبيب وذي المحرم.

والمستحب النظر في كتب العلم والدين التي يزداد بها الرجل إيمانا وعلما، والنظر في المصحف، ووجوه العلماء الصالحين، والوالدين، والنظر في آيات الله المشهودة ليستدل بها على توحيده ومعرفته وحكمته، والمكروه فضول النظر الذي لا مصلحة فيه، فإن له فضولا كما للسان فضولا، وكم قاد فضولها إلى فضول عز التلخص منها. والمباح النظر الذي لا مضرة فيه في العاجل والآجل ولا منفعة، ومن النظر الحرام النظر إلى العورات، وهي قسمان عورة وراء الثياب، وعورة وراء الأبواب، ولو نظر في العورة التي وراء الأبواب فرماه صاحب العورة ففقأ عينه لم يكن عليه شيء، وذهبت هدرا.

وأما أحكام العبودية المتعلقة بحاسة التذوق، فالتذوق الواجب تناول الطعام والشراب عند الاضطرار إليه وخوف الموت، فإن تركه حتى مات، مات عاصيا قاتلا لنفسه، ومن هذا تناول الدواء إذا تيقن النجاة له من الهلاك على أصح القولين. والتذوق الحرام كذوق الخمر والسموم القاتلة، والذوق الممنوع منه للصوم الواجب، وأما المكروه فكذوق المشتبهات، والأكل فوق الحاجة، وذوق الطعام الفجاءة، وهو الطعام الذي تفجأ آكله، ولم يرد أن يدعوك إليه، وكأكل أطعمة المرائين في الولائم والدعوات ونحوها، وذوق طعام من يطعمك حياء منك لا بطيبة نفس، والذوق المستحب أكل ما يعينك على طاعة الله عز وجل مما أذن الله فيه، والأكل مع الضيف ليطيب له الأكل فينال منه غرضه، والذوق المباح ما لم يكن فيه إثم ولا رجحان.

وأما أحكام العبودية المتعلقة بحاسة الشم، فالشم الواجب كل شم تعين طريقا للتمييز بين الحلال والحرام، كالشم الذي تعلم به الأشياء هل هي خبيثة أو طيبة، وهل هي سم قاتل أو لا مضرة فيها، أو يميز به بين ما يملك الانتفاع به، وما لا يملك من أنواع الروائح وغيرها. وأما الشم الحرام فالتعمد لشم الطيب في الإحرام، وشم الطيب المغصوب والمسروق، وتعمد شم الطيب من النساء الأجنبيات خشية الافتتان بما وراءه. وأما الشم المستحب فشم ما يعينك على طاعة الله، ويقوي الحواس، ويبسط النفس للعلم والعمل، ومن هذا هدية الطيب والريحان إذا أهديت لك، والمكروه كشم طيب الظلمة وأصحاب الشبهات ونحو ذلك، والمباح ما لا منع فيه من الله ولا تعلق له بالشرع.

وأما أحكام العبودية المتعلقة بحاسة اللمس، فاللمس الواجب كلمس الزوجة حين يجب جماعها، والأمة الواجب إعفافها، والحرام لمس ما لا يحل من الأجنبيات، والمستحب إذا كان فيه غض بصره، وكف نفسه عن الحرام، وإعفاف أهله، والمكروه لمس الزوجة في الإحرام للذة، وكذلك في الاعتكاف، وفي الصيام إذا لم يأمن على نفسه. والمباح ما لم يكن فيه مفسدة ولا مصلحة دينية، وهذه المراتب أيضا مرتبة على البطش باليد، والمشي بالرجل، وأمثلتها لا تخفى، فالتكسب المقدور للنفقة على نفسه وأهله وعياله واجب، وفي وجوبه لقضاء دينه خلاف، والصحيح وجوبه ليمكنه من أداء دينه، ولا يجب لإخراج الزكاة، وفي وجوبه لأداء فريضة الحج نظر، والأقوى في الدليل وجوبه لدخوله في الاستطاعة، وتمكنه بذلك من أداء النسك والمشهور عدم وجوبه. ومن عبوديات الجوارح الواجبة إعانة المضطر، ورمي الجمار، ومباشرة الوضوء والتيمم، والحرام كقتل النفس التي حرم الله قتلها ونهب المال المعصوم، وضرب من لا يحل ضربه ونحو ذلك، وكأنواع اللعب المحرم بالنص كالنرد، ونحو كتابة البدع المخالفة للسنة تصنيفا أو نسخا إلا مقرونا بردها ونقضها، وكتابة الزور والظلم والحكم الجائر والقذف، وكتابة ما فيه مضرة على المسلمين في دينهم أو دنياهم، ولاسيما أن كسبت عليه مالا، فويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون، وكذلك كتابة المفتى على الفتوى ما يخالف حكم الله ورسوله إلا أن يكون مجتهدا مخطئا، فالإثم موضوع عنه.

وأما المكروه فكالعبث، واللعب الذي ليس بحرام، وكتابة ما لا فائدة في كتابته، ولا منفعة فيه في الدنيا والآخرة، والمستحب كتابة كل ما فيه منفعة في الدين، أو مصلحة لمسلم، والإحسان بيده بأن يعين صانعا، أو يصنع لأخرق، أو يفرغ من دلوه في دلو المستسقى، أو يحمل له على دابته، أو يمسكها حتى يحمل عليها، أو يعاونه بيده فيما يحتاج له ونحو ذلك، ومنه لمس الركن بيده في الطواف، وفي تقبيلها بعد اللمس قولان، والمباح ما لا مضرة فيه ولا ثواب.

اشترك في آخر تحديثات المقالات عبر البريد الإلكتروني:

0 الرد على "ما هي أحكام العبودية والأوامر التكليفية المتعلقة بالجوارح؟"

إرسال تعليق

إعلان أسفل عنوان المشاركة

إعلان وسط المشاركات 1

إعلان وسط المشاركات اسفل قليلا 2

إعلان أسفل المشاركات