الأربعاء، 8 مايو 2019

لم يكن أحد من الصحابة والتابعين يعرف مصطلح التصوف، وإنما اقترن التصوف بالغلو والبدع في أواخر عصر السلف، وبدأ عامة المسلمين وخاصتهم ينكرون على الصوفية مخالفاتهم البدعية التي ارتكبوها بدافع الغلو في العبادة، أو في موقفهم من إتباع أفكار غريبة عن البيئة الإسلامية كالقول بالفناء والحلول والإتحاد، ويطالبون الصوفية على وجه التفصيل برد مفردات أفعالهم وأقوالهم إلى مستند شرعي، ويلزمونهم أيضا برد التصوف في الجملة إلى أصل قرآني أو نبوي.

وتجدر في الإشارة إلى أن بداية التصوف المعبر عن إذلال النفس ومجاهدتها والغلو في زهد الحياة بأنواعها، والذي سطر في كتب الأوائل ككتاب الصدق لأبي سعيد الخراز، وتراث الحارث بن أسد المحاسبي لاسيما كتابه الرعاية لحقوق الله والحكيم الترمذي وغيرهم، كان أصحاب تلك الفترة لا يشيرون في كتاباتهم إلى مصطلح التصوف، وإنما يذكرون مصطلح المريد وآداب المريدين والزهد والصدق والتوكل والرعاية لحقوق الله ومحاسبة النفس وما شابه ذلك من ألفاظ وتعبيرات.

أما التصوف في مراحله التالية والتي أصبحت قريبة من الفكر الفلسفي البدعي المنظم إلى حد فقد أظهر المؤلفون في التصوف عَلمِيَّة التصوف، وأنه اصطلاح يخصهم، ومذهب يستقلون به دون سائر الناس، فحاولوا جاهدين أن يضعوا حدا للتصوف يتميز باستقلالية خاصة عن بقية العلوم ويعرفون به، فنقلوا عن الأوائل بعض العبارات الجامعة في حد التصوف تدل في مجملها على أنه مبني على الوصول إلى كمال التوحيد في العبادة وعلو الإيمان إلى أعلى درجاته وبلوغ درجة الإحسان أو أن التصوف يدور حول تهذيب النفس ومكارم الأخلاق والخلق العظيم الذي اتصف به النبي، غير أن محاولاتهم باءت جميعها بالفشل نظرا لأن كلامهم احتوى على اعتقادات بدعية وثنية كالكلام على الفناء عن شهود السِّوى والحلول والاتحاد ووحدة الوجود.

وقد حاول الصوفية أن يردوا التصوف إلى لبس الصوف نظرا إلى ظهور رأي عام انتشر بين الصوفية وغيرهم يربط الزهد برؤية خشونة الصوف على بدن الزاهد، لكن لبس الصوف لم يكن مرغوبا بين الصحابة وإنما فرض عليهم لأنهم لم يجدوا غيره، وإذا تيسر استبدلوه وغيروه، والعادة في ملبسه صلى الله عليه وسلم وهو الأسوة والقدوة لكل مسلم فكان المحبوب لديه دائما القطن وغيره دون الصوف، كما أن نسبة التصوف إلى الصفاء، وأن الصفاء مقصور على الصوفية نسبة باطلة، وكذلك نسبة التصوف إلى أهل الصفة نسبة باطلة لأن حالهم كما نطقت الأخبار لا تتفق مع وصفهم عند الصوفية، فأهل الصفة لم يكونوا قوما عاكفين باختيارهم في المسجد تاركين العمل، بل لو وجدوا من أسباب الحياة ما يغنيهم كسائر الصحابة  ما جلسوا في الصفة وما كانوا أهل الصفة، فهم لم يخيروا فاختاروا، ولكن تركوا أوطانهم وهاجروا إلى المدينة فاضطروا إلى البقاء في المسجد حتى يجدوا سعة من الأسباب.

وقد حاول الصوفية أن ينسبوا التصوف إلى الصف الأول غير أن حال الصوفية في آدابهم التي أعلنوها في كتبهم أنهم يكرهون الإمامة والصلاة في الصف الأول بمكة وغيرها، ويكرهون التطويل، لأن الناس إنما يزدحمون على الصف الأول بدافع الرغبة في تحصيل الأجر الذي أعده الله للمصلين والصوفية لا يرغبون في جنة ولا يخافون من نار. وإذا كان هذا هو حال الصوفية أنهم لا يطمعون في ثواب الصف الأول، فكيف يقال إنهم سموا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدي الله عز وجل؟ فالتصوف كاصطلاح دام أكثر من ألف عام لا أصل له ولا حجة مقبولة تسوغ الدعوة إليه. ومن ثم فإن رد التصوف إلى الصوف أو أهل الصفة أو الصفاء والصفوة أو الصف الأول هي مجرد تبريرات باطلة لإثبات الذات وتواجد الصوفية كشجرة خبيثة لا أصل لها بين أصحاب العلم النافع.

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©