قال تعالى: ( هُوَ الأوَّل وَالآخِرُ وَالظاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُل شيْءٍ علِيمٌ ) [الحديد:3]، وصح من حديث أبِى هُرَيْرَة رضي الله عنه أن النبِي صل الله عليه وسلم قال: (وَأنت الآخِر فليْسَ بَعْدَكَ شيء)

والآخر سبحانه هو المتصف بالبقاء والآخرية فهو الآخر الذي ليس بعده شيء، الباقي بعد فناء الخلق، يبقى ببقائه، وما سواه يبقى بإبقائه، وشتان بين بقائه وبقاء مخلوقاته، كالجنة والنار وما فيهما، فالجنة مخلوقة بقضائه وقدره وكائنة بأمره، وهي رهن مشيئته وحكمه؛ فمشيئة الله حاكمة على ما يبقى فيها وما لا يبقى، فالبقاء ليس من طبيعتها ولا من خصائصها الذاتية، بل من طبيعتها جميعها الفناء، والخلود ليس لذات المخلوق أو طبيعته، وإنما هو بمدد دائم من الله تعالى، وإبقاء مستمر لا ينقطع . أما ذاته وصفاته سبحانه وتعالي كوجهه وعزته وعلوه ورحمته ويده وقدرته وملكه وقوته فهي صفات باقية ببقائه ملازمة لذاته، حيث البقاء صفة ذاتية لله سبحانه وتعالي لأنه الآخر الذي ليس بعده شيء .

والآخر سبحانه هو تنتهي إليه أمور الخلائق كلها إيجادا وإمدادا، وبقاء والتجاء، وقضاء وتقديرا، فبيده سبحانه تصريف المقادير.

ومن الدعاء باسمه الآخر ما ثبت أن النبي صل الله عليه وسلم كان يدعو بهؤلاء الكلمات: (اللهم أنت الأول لا شيء قبلك، وأنت الآخر فلا شيء بعدك، أعوذ بك من شر كل دابة ناصيتها بيدك، وأعوذ بك من الإثم والكسل ومن عذاب القبر، ومن فتنة القبر، وأعوذ بك من المأثم والمغرم، اللهم نق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، اللهم باعد بيني وبين خطيئتي كما بعدت بين المشرق والمغرب)

ومن آثار توحيد المسلم لله سبحانه وتعالي في اسمه الآخر أن تجعله وحده غايتك التي لا غاية لك سواه، ولا مطلوب لك وراءه، فكما انتهت إليه الأواخر، وكان بعد كل آخر، فكذلك اجعل نهايتك إليه، فإن إلى ربك المنتهى، انتهت الأسباب والغايات فليس وراءه مرمى ينتهي إليه طريق .

والذي وحد الله في اسمه الآخر يعود بافتقاره إلى ربه، ويجعل المرجعية في فعله إلى ما اختاره لعبده، لعلمه أنه سبحانه وتعالي مالك الإرادات ورب القلوب والنيات، يصرفها كيف شاء، فما شاء أن يزيغه منها أزاغه، وما شاء أن يقيمه منها أقامه، فهو سبحانه الذي ابتدع الخلق بقدرته ابتداعا، واخترعهم على مشيئته اختراعا، وهو الذي ينجي من قضائه بقضائه، وهو الذي يعيذ بنفسه من نفسه، والأمر كله له، والحكم كله له، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فسبحان من لا يوصل إليه إلا به، ولا يطاع إلا بمشيئته، ولا ينال ما عنده من الكرامة إلا بطاعته، ولا سبيل إلى طاعته إلا بتوفيقه ومعونته، فعاد الأمر كله إليه، كما ابتدأ الأمر كله منه، فهو سبحانه الأول والآخر .

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©