لما كانت جميع الدواعي في منطقة حديث النفس مردها إلى وجود النازعين والهاتفين، فإن أصول الضلال مرجعها إلى بابين أساسيين الشهوات والشبهات، وباب الشبهات أعظم البابين:
الباب الأول: باب الشبهات وهو مدخل خواطر الشيطان وحزبه من بني الإنسان والشيطان، ويتسع هذا الباب بين مصراعيه بسبب ضعف البصيرة وقلة العلم، ولاسيما إذا اقترن بذلك فساد القصد وحصول الهوى، فهنالك الفتنة العظمى والمصيبة الكبرى، فقل ما شئت في ضلال سيء القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهدى، مع ضعف بصيرته، وقلة علمه بما بعث الله به رسوله صل الله عليه وسلم، فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَىٰ النجم:٢٣.

وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع على حسب مراتب بدعهم، فجميعهم إنما ابتدعوا من باب الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال، ولا ينجى من هذه الفتنة إلا اتباع الرسول صل الله عليه وسلم وتحكيمه في الدين كله، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه، فيتلقى عنه حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، وما يثبته لله من الصفات والأفعال والأسماء وما ينفيه عنه، كما يتلقى عنه وجوب الصلوات، وأوقاتها وأعدادها ومقادير الزكاة ومستحقيها ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة، وصوم رمضان، فلا يجعله رسولا في شيء دون شيء من أمور الدين، بل هو رسول في كل شيء تحتاج إليه الأمة في العلم والعمل، لا يتلقى إلا عنه، ولا يؤخد إلا منه، فالهدى كله دائر على أقواله وأفعاله، وكل ما خرج عنها فهو ضلال، فإذا عقد قلبه على ذلك، وعرض ما سواه ووزنه بما جاء به الرسول صل الله عليه وسلم، فإن وافقه قبله لا لكون ذلك القائل قاله، بل لموافقته للرسالة، وإن، خالفه رده ولو قاله من قاله، فهذا الذي ينجيه من فتنة الشبهات، وإن فاته ذلك أصابه من فتنتها بحسب ما فاته منه، وهذه الفتنة تنشأ تارة من فهم فاسد، وتارة من نقل كاذب، وتارة من حق ثابت خفي على الرجل فلم يظفر به، وتارة من غرض فاسد وهوى متبع، فهي من عمى في البصيرة وفساد في الإرادة ( ).

الباب الثاني: باب الشهوات وهو مدخل كل خاطر تعلق بأنواع المشتهيات في الدنيا، وأدى إلى معصية الله، وكما أن فتنة الشبهات تدفع باليقين واتباع الحق بالدليل، فإن فتنة الشهوات تدفع بكثرة الاستغفار والتوبة والإنابة والصبر على طاعة الله واجتناب معصيته.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©