الثلاثاء، 28 مايو 2019

ورد في الكتاب والسنة تشبيه الإيمان ونمائه في قلب المؤمن وأثره في توحيد العبادة لله بالشجرة الطيبة في نموها ونفعها وعطائها، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ *يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء إبراهيم:٢٤/٢٧.
وفي هذا المثل من الحكم والعلوم التي توضح للمؤمن عقيدة أهل السنة والجماعة في توحيد العبادة لله، وأن الإيمان عندهم مبني على تصديق خبر الله تصديقا يقينيا يؤدي أثره إلى تنفيذ أمره تنفيذا كاملا بالقلب واللسان والجوارح وأن الإيمان عندهم يزيد بالعلم والطاعة وينقص بالجهل والمعصية، ومن هذه الحكم التي تظهر من مثل الشجرة:
1- أن الشجرة لا بد لها من عروق، وساق، وفروع، وورق، وثمر، فكذلك شجرة الإيمان والإسلام، فعروقها العلم واليقين، وساقها الإخلاص، وفروعها الأعمال، وثمرتها ما توجبه الأعمال الصالحة من الصدق والمحبة والانقياد والقبول، فشجرة الإيمان في القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإذا كان الأمر بالعكس كانت الشجرة المستقرة في القلب هي الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.
2- ومن الحِكم أن الشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها، فإذا نقطع عنها الماء أوشكت أن تيبس، فهكذا شجرة الإسلام في القلب، إن لم يتعاهدها صاحبها في سقايتها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، ودوام التذكر والاعتبار والتفكر والاستبصار أوشكت شجرة الإيمان أن تيبس، فالإيمان يزيد وينقص، والغرس إن لم يتعاهده صاحبه أوشك أن يهلك، ومن هنا يمكن أن ندرك شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله عز وجل به من العبادات على مدار الأوقات، لتبقى مستمرة في سقاية شجرة التوحيد والإيمان.
3- ومن الحِكم أن الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه العادة أنه لا بد أن يخالطه نبت غريب، ليس من جنسه ولا نفع فيه، يشاركه غذاءه ويقاسمه ماء سقياه، فإن تعاهده صاحبه وطهره ونقاه، وقلعه ونظف المكان وسواه، استكمل الزرع نماءه واستوى على سوقه، وكان أوفر لثمره، وأطيب وأزكى في منفعته، وإن تركه أوشك أن يغلب النبت الغريب على الزرع ويكون الحكم للحشائش الضارة، فيضعف الأصل وتصبح الثمار ذميمة ناقصة بحسب كثرة الحشائش والنبت الغريب أو قلته، فالمؤمن دائما سعيه في شيئين، أن يسقي هذه الشجرة الطيبة بماء العلم واليقين وأعمال الإيمان، وأن ينقي ما حولها من خواطر الهوى وشبهات الشيطان.
4- ومن الحِكم أن الشجرة يؤثر أصلها على فروعها، فلو انقطع بعض جذورها أو انكسر ساقها تأثرت أوراقها وذبلت أو ماتت ويبست، وتؤثر فروعها على أصلها فلو حجبت عن ضوء الشمس أو كثر عليها غبار الطريق تأثر أصلها وضعفت وضعف محصولها، كذلك المؤمن إن مُنع أو امتنع من الذكر والطاعة وتحصيل العلم وأعمال الإيمان ينقص أصله ويتأثر قلبه.
5- ومن الحِكم أن الشجرة الطيبة تنفي أي عضو معطوب فيها لا ينفعها، فالورقة تسقط إن لم تكن فعالة، والفروع تتهاوى إن تكن قوية حمالة، لتبقى الشجرة مرنة مع الرياح، كذلك المؤمن إذا أذنب ذنبا، أو أصاب مالا حراما، أو أصيب بالبلاء والمحن، استغفر ربه وطهر ماله وزكى قلبه، وجدد إيمانه، حتى يكون طيب الرائحة كثير النفع له ولغيره كما هو حال الشجرة الطيبة في نفعها، ريحها طيبة، وثمراتها طيبة. وينتفع بكل جزء منها، ساقا وفروعا وأوراقا، وأزهارا وجمارا وثمارا.
6- ومن الحِكم أن الشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فلا عروق لها ثابتة، ولا فروع لها عالية، ولا ثمار لها زكية، فلا ظل منها لمستظل، ولا ساق تنمو ولا عرق، فتجتث من فوق الأرض للوقود والحرق، كذلك المشرك والمجرم والكافر، والمنافق والكذاب والفاجر، ما يلبث أن يراوغ ويكذب ويتحرى الكذب، ويؤذي الآخرين، ويأكل أموال الناس بالباطل، ولو كانوا فقراء مساكين، حتى ينال عقابه، فتقطع يده أو يسجن أو يقتل أو يرجم، أو توافيه المنية على كفره وشركه ليحرق في جهنم وبئس المصير.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©