الأربعاء، 29 مايو 2019

استطاعة الإنسان عند علماء السلف قسمان: أحدهما استطاعة قبل الفعل وهو سلامة الجوارح وارتفاع الموانع. والثاني استطاعة مع الفعل وهو خلق الله للفعل في فاعله، ولولاهما لم يقع الفعل. وكما أثبتت الأدلة النقلية استطاعة بشرية للإنسان بتكريم الله له، وتفضيله على ما دونه من المخلوقات التي سخرها الله سبحانه وتعالي له واستخلفه عليها، فإنها أيضا أثبتت استطاعة ذاتية للإنسان، تتمثل في قدرته على إتمام الفعل المراد له في ظاهر البدن، وهذه الاستطاعة يخلقها الله سبحانه وتعالي لهم مع أفعالهم عند إرادتهم، فالجوارح الظاهرة هي أدوات الاستطاعة التي تحول الفعل الداخلي الكائن في منطقة الكسب إلى فعل خارجي ظاهري ملموس يحاسب عليه الإنسان، ويكتسب به الحسنات والسيئات في سائر الأركان، فلا يتنفس الإنسان نفسا، ولا يتحرك حركة إلا بقوة يحدثها الله تعالى فيه، واستطاعة يخلقها الله سبحانه وتعالي له مع أفعاله، لا يتقدمها ولا يتأخر عنها ولا يوجد الفعل إلا بها.

وفهم الاستطاعة على هذا النحو يبطل وصف الإنسان بأن له قوة مستقلة عن قوة الله يفعل بها ما يشاء، مما يوحى بإمكانية حدوث فعل خارج عن قضاء الله وقدره، ولذلك فالاستطاعة ليست محدثة للفعل، ولا خالقة له، لأن الخالق هو الله وحده، وإن كانت الاستطاعة مكتسبة للإنسان، ومن ثم فإن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى لا لهم، والاكتساب من العباد والمسئولية واقعة على كسبهم.

والله تعالى هو المعطي الذي يعطي من يشاء ما يشاء، ويمنع من يشاء ما يشاء، وكل ما يصدر عن العبد من طاعة أو معصية، فالله سبحانه وتعالي يخلقها بتمامها، فليست للعبد قدرة على خلق شيء، وإنما هي قدرة واستطاعة للأخذ بالأسباب للوصول إلى الشيء، فالأفعال لله والكسب للعبد، وبهذا الفهم يمتنع أن يكون الإنسان خالقا لفعله كما زعمت المعتزلة.

ومسألة خلق الفعل، وخلق أوصاف الإنسان من تدبير الله الكوني، كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ التغابن:٢.

ولنضرب مثالا يوضح الأمر، فالذبح مثلا أفعاله واحدة، خلقها الله سبحانه وتعالي وحده، خلق السكين والذبيحة، لكن الذبح يكون قربة لله سبحانه وتعالي وإيمانا وتوحيدا إذا وافقت نية العبد وإرادته شرع الله، ويكون الذبح لعنة وكفرا وشركا إذا خالفت نية العبد واختياراته شرع الله سبحانه وتعالي، فالفعل في الحالتين خلقه الله، ونية العبد في الأخذ بالأسباب تكسبه معنى الخير والشر.

وكذلك المعاشرة التي تكون بين الرجل والمرأة، أفعال المعاشرة واحدة، وتتم بقدر الله سبحانه وتعالي وخلقه لعباده، هو الذي أقدرهم على الفعل ومنحهم سلامة آلاته، وركب في كل منهما نزعاته وشهواته ابتلاء وامتحانا له في حياته، لكن نقول عن المعاشرة زواجا وابتهاجا ونكاحا حلالا، إذا كانت بإذن أولياء المرأة وعلى كتاب الله وسنة رسوله صل الله عليه وسلم، ونقول عن المعاشرة زنا وفاحشة واغتصابا وخيانة إذا كانت مخالفة لشرع الله، فالفعل في الحالتين واحد وهو من خلق الله، والنية هي التي تكسب الفعل معنى الخير والشر بالموافقة أو المخالفة للشرع.

إن الاستطاعة التي خلقها الله للإنسان صالحة لضدين من الأفعال، وهي مسخرة له لتكون بين الخير والإيمان، وبين الشر والكفران، ومسئولية الإنسان تكمن في امتثاله الطاعة في الوقت الذي كان فيه مستطيعا أن يكتسب المعصية، والعكس كذلك، فالاستطاعة قبل الفعل آلات وأسباب مخلوقة، مجردة عن الخير والشر قبل أن تتلبسها إرادة العبد ويأخذ بها، والعباد مريدون مختارون لكسبهم، ميسرون لقدرهم، وليسوا بمحمولين عليه، ولا مجبرين ولا مستكرهين فيه.

ومن هنا فإن الله تعالى لم يجبر عبدا على الاختيار ولو كان اختياره طاعة، كما أنه لم يجبر عبدا على الاختيار ولو كان اختياره معصية، فهو سبحانه يمد المؤمن بعد اختياره للإيمان والطاعة بالقوة والقدرة والاستطاعة، ويمد الكافر بعد اختياره للعصيان بالقوة والقدرة والاستطاعة، يمد الإنسان بما يشاء من عطائه ونعمائه خلقا وتوفيقا إن كانت أفعاله صالحة، وإضلالا وخذلانا إن كانت أفعاله طالحة كما قال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّه كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ آل عمران:١٤٥.

وقال تعالى: مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا ، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ، كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا ، انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً الإسراء:١٨/٢١.

لقد سخر الله المخلوقات وفق ثوابت وسنن، ونواميس كونية، وقوانين تنظم السببية والعلية، بحيث تترابط فيها الأسباب لتسمح بقبول فعل الإنسان وتأثيره فيها تحقيقا لعلة الابتلاء، تلك العلل والمعلولات يحكمها الله سبحانه وتعالى ويدبر أمرها لانفراده بالخلق والتدبير، فالسبب أو العلة نحو البذرة، خلقها الله سبحانه وتعالي وجعلها سببا في النبتة، والنبتة سبب في الثمرة، البذرة والنبتة والثمرة علل ومعلولات من خلق الله وتقديره، وإليه الحكم في حتمية الترابط بينها، فالعلة كالبذرة لا تملك حتمية إصدار نتيجتها أو معلولها وهي النبتة، إذ ليس لها فعل مستقل، وإنما يخلق الله نتيجتها أو معلولها للعبد ابتلاء له، أيشكر ربه وخالقه ويرد الفضل إليه، أم يتعالى ويكفر بربه ولا يتوكل عليه، فشتان بين من ظلم وتعالى بالأرض والمال، وبين من تواضع وقال: الله ربي ولا أشرك بربي أحدا.
إن الله هو الذي خلق الأسباب والأفعال، وهو الذي يهيئ الأسباب ويمنح العبد استطاعته من خلالها، يعطى من يشاء ما يشاء، ويمنع من يشاء ما يشاء، وكما أن أهل الحق أثبتوا حقيقة الأسباب وأنها تؤدى فعلها في الكون بقدرة الله، وبسبب ما أودع فيها من قوى وتأثير لا ينبع من ذاتها، بل بإرادة الله فيها، فإنهم أيضا قالوا: لا يعنى وجود الأسباب وترابطها وتسلسلها واضطرادها باستمرار أن شيئا يحدث بعيدا عن قدرة الله سبحانه وتعالي، أو أن فعلا يخرج عن فعل الله سبحانه وتعالي وخلقه للأشياء.

إن من أثر هذا الفهم الإسلامي المبني على الدليل القرآني والنبوي أنه يفتح بابا واسعا عند أهل اليقين في الاستعانة بالله سبحانه وتعالي على قضاء حوائجهم، وتوفيقهم إلى عبادته سبحانه وتعالى، فالأمر الأساسي الذي يوجهنا إليه المنهج القرآني النبوي في قضية القضاء والقدر وعلاقته باستطاعة الإنسان، هو التزامه بربه في شرعه وقدره، وإلزام العبد أن يلوذ به، ولا يستبد بقدرته أو يتمرد على الحق بالاعتماد على طاقته. روى البخاري من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه وسلم قال: (سيدُ الاستغفارِ أن يقول: اللهمّ أنت ربِّي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدُك، وأنا على عهدِك ووعدِك ما استطعت ُ، أعوذُ بك من شر ما صنعتُ، أبُوءُ لك بنعمتك عليّ، وأبُوءُ لك بذنبي، فاغفِرْ لي، فإنه لا يغفرُ الذنوب إلا أنت، من قالها من النهارِ مُوقِنا بها فمات من يومهِ قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقِنٌ بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة) ( ).
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©