الخميس، 4 أبريل 2019


كان يكفي الجهم بن صفوان في الرد على السمنية أن يقول: إن الله يُرى في الآخرة جزاءا للمؤمنين، ولا يُرى في الدنيا ابتلاءا للناس أجمعين؛ لأنه اختبرنا فيها، وابتلانا بها، فاستخلفنا في أرضه، واستأمننا في ملكه، فلو رأينا الله، أو رأينا ملائكته، أو رأينا جنته أو عذابه، لما كان لوجود الإنسان في الأرض بهذا الوضع أي معنى يذكر، فكيف يتحقق معنى الابتلاء والامتحان ويمتاز أهل الطاعة والإيمان عن أهل الشرك والعصيان؟ أو كيف يتحقق معنى الإيمان بالله ونحن نراه؟ وإذا كان الله عز وجل لا يرى في الدنيا ابتلاءا، فإنه يرى في الآخرة جزاء وإكراما لأهل طاعته، كما قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ القيامة:٢٢/٢٣. وقد تواترت الأحاديث النبوية الصحيحة في إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.



غير أن الجهم بن صفوان بهذا الفكر العقلي الخبيث الذي زعم به أن الله عز وجل حل في مخلوقاته، وأنه سبحانه موجود في كل الوجود، نظر في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكذلك نظر إلى كلام النبي صل الله عليه وسلم، فما توهم بظنه السيئ أنه يوافق رأيه من النصوص احتج بها، وما توهم أنه يخالفه منها أنكرها وأولها وعطلها عن مدلولها، أو اتهمها بأنها أمور ظنية وآحاد مروية لا تدل على أمور يقينية، فوجد قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى طه:٥. فأراد أن يحذفها من المصحف.



قال أبو نعيم البلخي وكان قد أدرك جهما: (كان للجهم صاحب يكرمه ويقدمه على غيره، فإذا هو قد هجره وخاصمه، فقلت له: لقد كان يكرمك، فقال: إنه جاء منه ما لا يتحمل، بينما هو يقرأ سورة طه والمصحف في حجره، إذ أتى على هذه الآية: ﭽ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﭼ طه:٥. فقال: لو وجدت السبيل إلى أن أحكها من المصحف لفعلت، فاحتملت هذه؛ ثم إنه بينما يقرأ آية أخرى إذ قال: ما أظرف محمدا حين قالها؛ فاحتملت هذه؛ ثم بينما هو يقرأ القصص والمصحف في حجره، إذ مر بذكر موسى u فدفع المصحف بيديه ورجليه، وقال: أي شيء هذا؟ ذكره هنا فلم يتم ذكره، وذكره هنا فلم يتم ذكره!) ([1]).



وقد زعم الجهم بن صفوان أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو في سنة رسوله صل الله عليه وسلم فهو مشبه، وأن التوحيد الحق هو نفي هذه الصفات، متمسكا في زعمه كسائر أتباعه الجهمية من المعتزلة والأشعرية بقوله تعالى:

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الشورى:١١. سواء كان نفي الصفات عندهم نفيا واضحا، أو كان بتأويل القرآن على غير معناه، أو بلَوْي أعناق النصوص بغير ما تحتمل، فزعم الجهم أن الله في كل مكان كما الروح في الجسد، وهذا كلام باطل من جميع الوجوه، لأن الله سبحانه وتعالى لا يحل في مخلوقاته، فقد ثبت أنه بذاته في السماء فوق العرش، وعرشه فوق الماء، والماء فوق السماء السابعة، وهو سبحانه في سمائه يدبر أمر مخلوقاته، ويعلم ما هم عليه، غير أن الجهم بن صفوان قد أضل خلقا كثيرا، وتبعه على قوله رجل يقال له واصل بن عطاء، وآخر يقال له عمرو بن عبيد، وإليهما ينسب مذهب المعتزلة الذي استمر على طريقة الجهمية.

كتاب سهل - الرضواني

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©