عقيدة أهل السنة والجماعة تقوم على أن العبد لا يصل إلى مرضاة الله حتى يسلم له بنوعين من التدبير في ملكه، النوع الأول هو التدبير الكوني، والنوع الثاني هو التدبير الشرعي، هذان التدبيران هما أساس الفهم السلفي الصحيح لموضوع القضاء والقدر وعلاقته بأفعال العباد وحريتهم، وإثبات استطاعتهم ومسئوليتهم، فمن اهتدى إلى الفرق بين النوعين نجاه الله عز وجل من ضلالات الجبرية والقدرية، فالجبرية اعتمدوا الإيمان بالتدبير الكوني وعدم العمل بالتدبير الشرعي، والقدرية المعتزلة اعتمدوا العمل بالتدبير الشرعي وتجاهلوا الإيمان بالتدبير الكوني، أما المنهج السلفي فقد سلم لله عز وجل بالنوعين، فآمن بالتدبير الكوني وعمل بالتدبير الشرعي.


 


وقد جعل الله حقيقة الابتلاء من الحقائق العظمى التي تفسر العلاقة بين قدرة الله وحكمته، والجمع بين الإيمان بتدبيره الكوني المتعلق بتوحيد الله في قدرته وربوبيته، والعمل بتدبيره الشرعي المتعلق بتوحيد الله في حكمته وعبوديته.قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الملك:1/٢. وقال: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا  الإنسان:٢.


وقال: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ الأنعام:١٦٥. فبالتدبير الكوني ابتلانا الله عز وجل في الإيمان بقدرته وربوبيته، وبالتدبير الشرعي كلفنا الله بالعمل وفق شريعته وحكمته وتوحيده في عبوديته، وهكذا كانت حقيقة الابتلاء، فالابتلاء له وجهان:


 


الوجه الأول: الإيمان بتقدير كوني حتمي يمثل فعل الله عز وجل بنا، وهو قضاؤه الكوني فينا، وقدره الواقع علينا، وهذا لا يحاسبنا الله عليه، فلن يحاسبنا على ألواننا ولا صورنا، ولا عن مشيئته فينا، فالحساب ليس على مشيئته أو تدبيره الكوني لأن ذلك فعل الله بنا.


 


الوجه الثاني: ابتلاؤنا في موقفنا من تدبيره الكوني وسلوكنا تجاه فعل الله بنا، هل يوافق تدبيره الشرعي التكليفي الديني أم يخالفه؟ فإن وافق فقد وفق العبد واجتاز الابتلاء بنجاح، وزحزح عن النار، ومن زحزح عن النار فقد فاز، كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ آل عمران:١٨٥.


قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  هود:٧.

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©