الجمعة، 21 أغسطس 2020






من الأمور الهامة التي ينبغي الحذر منها صيانة للقاعدة الأولى وحتى لا يهدم التوحيد في قلب المسلم أو تشوبه شائبة ، أن يحذر من نوعين من القياس حرمهما اللَّه على من استخدمهما في حقه ، وقد وقع فيهما أهل الضلال من الممثلة والمشبهة الذين جسدوا في أذهانهم صورا للمخلوقات ، وزعموا أن أوصاف اللَّه التي وردت بها النصوص في الكتاب والسنة على هذه الكيفية ، وقد استخدم الممثل النوع الأول من القياس ، والنوع الثاني استخدمه المشبه وأحيانا يطلق عليه المكيف .

النوع الأول : قياس التمثيل وهو إلحاق فرع بأصل في حكم جامع لعلة ؛ فالممثل جعل صفة الإنسان التي لا يعرف غيرها أصلا ، وجعل صفة اللَّه التي دلت عليها النصوص فرعا ، ثم طابق الفرع على الأصل وحكم بينهما بالتماثل .

ولو سئل عن السبب في ذلك التمثيل ؟ لقال : لأن اللَّه له أوصاف والإنسان له أوصاف ذكرت بنفس الألفاظ ، فهذا يوجب التماثل ، ومن أجل ذلك حكمت بأن استواء اللَّه على العرش يماثل استواء الإنسان ، ووجه اللَّه يماثل وجه الإنسان ويد اللَّه تماثل يده ، وهكذا في سائر أوصاف اللَّه وأوصاف الإنسان ، قيل له : ( ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر فارق ، فمن نفى القدر المشترك فقد عطل ومن نفى القدر الفارق فقد مثل )

وقد علم العقلاء أن قول الممثل باطل لا يتوافق مع العقل السليم ، فلو قيل طائر كبير وفيل كبير ، فهل صورة الطائر كصورة الفيل لأنهما اشتركا في لفظ كبير ؟

وإذا كانت أوصاف البشر مختلفة ، فهناك فرق كبير بين عرش بلقيس وعرش سليمان ، ووجه يوسف عليه السلام ووجه غيره من بني الإنسان ، فإن الفرق أعظم وأكبر من باب أولى بين أوصاف الخالق سبحانه وتعالى وأوصاف المخلوق ، وسيقر المسلم في خشوع وخضوع أن استواء اللَّه ليس كاستواء البشر ووجهه تعالى ليس كوجوههم ، وسائر أوصافه ليست كأوصافهم ، وأن اللَّه ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته وأفعاله ، وتلك طريقة الموحدين .

أما الممثل لأوصاف اللَّه بأوصاف البشر فهو ظالم لنفسه ، متقول على ربه ما ليس له به علم ، فهو في الحقيقة تخيل في ذهنه أن صفة اللَّه الواردة في نصوص الكتاب والسنة كصورة إنسان ثم عظمها له الشيطان ، فعبدها على أنها المقصود عند ذكره لأوصاف اللَّه ، وهو في الحقيقة إنما يعبد صنما ، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في وصف حال الممثل : الممثل يعبد صنما

النوع الثاني : قياس الشمول وهو القانون الشامل أو الأحكام العامة التي تطبق على جميع الأفراد أو كما عرفوه بأنه قياس كلي على جزئ ، فالمكيف أو المشبه الذي يستخدم قياس الشمول جعل الكيفية التي تحكم أوصاف الإنسان قانونا يحكم به على أوصاف الرحمن كقوله : لو كان اللَّه متصفا بالكلام لكان له فم ولسان ، لأنه لم ير المتكلم في أحكام الدنيا إلا على هذه الكيفية ، وكقوله : لو كان على العرش لكان محمولا ، فطبق قانون الجاذبية الأرضية على كيفية استواء الخالق كما يطبقها على استواء الإنسان أو حمله للأشياء .

ومعلوم أن صاحب الفطرة السليمة يأبى أن يقال مثل هذا في أوصاف اللَّه ، بل يعلم أن هذه الأحكام ربما لا تطبق على الإنسان خارج نطاق الجاذبية الأرضية ، مثل أماكن انعدام الوزن أو المحطات الفضائية ، أو ربما يسمع صوتا من غير فم أو لسان كما يري المسجل يعيد الصوت ويكرره كأنه إنسان .
وإذا قيل لا يدخل قاعة الاختبار في الكلية إلا طلاب السنة النهائية علم العقلاء أن ذلك لا ينطبق على الأساتذة المراقبين أو القائمين على النواحي الإدارية .
وإذا قيل لا يدخل المصنع إلا العاملون ، علمنا أن ذلك لا ينطبق على صاحب المصنع ومن رافقه من أهله وأصحابه .

وهكذا يعلم العقلاء وأصحاب الفطرة السليمة أن القوانين التي تحكم أوصاف البشر لا تنطبق على ربهم ، وأن اللَّه ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته وأفعاله ، وعلى ذلك يلزم الاحتراز من استخدام هذين النوعين من القياس في حق اللَّه ، قياس التمثيل وقياس الشمول ، لأن النتيجة المترتبة على استخدام الممثل لقياس التمثيل واستخدام المكيف المشبه لقياس الشمول تتمثل فيما يلي :

1- تعطيل العلم الصحيح بأوصاف الحق التي وردت في نصوص الكتاب والسنة تحت ستار التمثيل والتشبيه ، ولذا قال ابن تيمية : كل ممثل معطل

2- الافتراء على اللَّه تعالى حيث ادعى في وصف اللَّه ما لا علم له به ، وزعم أن أوصاف اللَّه تشبه أوصاف البشر ، وهي في الحقيقة ليست كذلك ، وقد حرم اللَّه ذلك على عباده فقال : } قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا على اللَّه مَا لا تَعْلَمُونَ { [الأعراف:33] .

وقال تعالى : } وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا { [ الإسراء:36] .

الرضواني
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©