السبت، 15 فبراير 2020







من الأمور الهامة التي ينبغي الحذر منها صيانة للقاعدة الأولى وحتى لا يهدم التوحيد في قلب المسلم أو تشوبه شائبة ، أن يحذر من نوعين من القياس حرمهما اللَّه  على من استخدمهما في حقه ، وقد وقع فيهما أهل الضلال من الممثلة والمشبهة الذين جسدوا في أذهانهم صورا للمخلوقات ، وزعموا أن أوصاف اللَّه التي وردت بها النصوص في الكتاب والسنة على هذه الكيفية ، وقد استخدم الممثل النوع الأول من القياس ، والنوع الثاني استخدمه المشبه وأحيانا يطلق عليه المكيف .

النوع الأول : قياس التمثيل وهو إلحاق فرع بأصل في حكم جامع لعلة ؛ فالممثل جعل صفة الإنسان التي لا يعرف غيرها أصلا ، وجعل صفة اللَّه  التي دلت عليها النصوص فرعا ، ثم طابق الفرع على الأصل وحكم بينهما بالتماثل .

ولو سئل عن السبب في ذلك التمثيل ؟ لقال : لأن اللَّه له أوصاف والإنسان له أوصاف ذكرت بنفس الألفاظ ، فهذا يوجب التماثل ، ومن أجل ذلك حكمت بأن استواء اللَّه على العرش يماثل استواء الإنسان ، ووجه اللَّه يماثل وجه الإنسان ويد اللَّه تماثل يده ، وهكذا في سائر أوصاف اللَّه وأوصاف الإنسان ، قيل له : ( ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر فارق ، فمن نفى القدر المشترك فقد عطل ومن نفى القدر الفارق فقد مثل )

وقد علم العقلاء أن قول الممثل باطل لا يتوافق مع العقل السليم ، فلو قيل طائر كبير وفيل كبير ، فهل صورة الطائر كصورة الفيل لأنهما اشتركا في لفظ كبير ؟

وإذا كانت أوصاف البشر مختلفة ، فهناك فرق كبير بين عرش بلقيس وعرش سليمان ، ووجه يوسف عليه السلام ووجه غيره من بني الإنسان ، فإن الفرق أعظم وأكبر من باب أولى بين أوصاف الخالق سبحانه وتعالى وأوصاف المخلوق ، وسيقر المسلم في خشوع وخضوع أن استواء اللَّه ليس كاستواء البشر ووجهه تعالى ليس كوجوههم ، وسائر أوصافه ليست كأوصافهم ، وأن اللَّه  ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته وأفعاله ، وتلك طريقة الموحدين .

أما الممثل لأوصاف اللَّه بأوصاف البشر فهو ظالم لنفسه ، متقول على ربه ما ليس له به علم ، فهو في الحقيقة تخيل في ذهنه أن صفة اللَّه الواردة في نصوص الكتاب والسنة كصورة إنسان ثم عظمها له الشيطان ، فعبدها على أنها المقصود عند ذكره لأوصاف اللَّه ، وهو في الحقيقة إنما يعبد صنما ، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في وصف حال الممثل : الممثل يعبد صنما

النوع الثاني : قياس الشمول وهو القانون الشامل أو الأحكام العامة التي تطبق على جميع الأفراد أو كما عرفوه بأنه قياس كلي على جزئ ، فالمكيف أو المشبه الذي يستخدم قياس الشمول جعل الكيفية التي تحكم أوصاف الإنسان قانونا يحكم به على أوصاف الرحمن كقوله : لو كان اللَّه متصفا بالكلام لكان له فم ولسان ، لأنه لم ير المتكلم في أحكام الدنيا إلا على هذه الكيفية ، وكقوله : لو كان على العرش لكان محمولا ، فطبق قانون الجاذبية الأرضية على كيفية استواء الخالق كما يطبقها على استواء الإنسان أو حمله للأشياء .

ومعلوم أن صاحب الفطرة السليمة يأبى أن يقال مثل هذا في أوصاف اللَّه ، بل يعلم أن هذه الأحكام ربما لا تطبق على الإنسان خارج نطاق الجاذبية الأرضية ، مثل أماكن انعدام الوزن أو المحطات الفضائية ، أو ربما يسمع صوتا من غير فم أو لسان كما يري المسجل يعيد الصوت ويكرره كأنه إنسان .

وإذا قيل لا يدخل قاعة الاختبار في الكلية إلا طلاب السنة النهائية علم العقلاء أن ذلك لا ينطبق على الأساتذة المراقبين أو القائمين على النواحي الإدارية .

وإذا قيل لا يدخل المصنع إلا العاملون ، علمنا أن ذلك لا ينطبق على صاحب المصنع ومن رافقه من أهله وأصحابه .

وهكذا يعلم العقلاء وأصحاب الفطرة السليمة أن القوانين التي تحكم أوصاف البشر لا تنطبق على ربهم ، وأن اللَّه ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته وأفعاله ، وعلى ذلك يلزم الاحتراز من استخدام هذين النوعين من القياس في حق اللَّه ، قياس التمثيل وقياس الشمول ، لأن النتيجة المترتبة على استخدام الممثل لقياس التمثيل واستخدام المكيف المشبه لقياس الشمول تتمثل فيما يلي :

1- تعطيل العلم الصحيح بأوصاف الحق التي وردت في نصوص الكتاب والسنة تحت ستار التمثيل والتشبيه ، ولذا قال ابن تيمية : كل ممثل معطل

2- الافتراء على اللَّه تعالى حيث ادعى في وصف اللَّه ما لا علم له به ، وزعم أن أوصاف اللَّه تشبه أوصاف البشر ، وهي في الحقيقة ليست كذلك ، وقد حرم اللَّه  ذلك على عباده فقال : } قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا على اللَّه مَا لا تَعْلَمُونَ { [الأعراف:33] .

وقال تعالى : } وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا { [ الإسراء:36] .

الرضواني
مشاركة

هناك 3 تعليقات

  1. بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا

    ردحذف
  2. ربنا يبارك فيك يادكتور ويطيل الله فى عمرك ويزيدك علما تنفع به الأمة ويكون مثواك الفردوس الأعلى إن شاء الله
    والله والله إنى أحبك فى الله .

    ردحذف
  3. بارك الله فيكم وجزاكم خيرا عما تقدمون. أطال الله في عمركم وجعلكم ذخرا للإسلام والمسلمين وتقبل اللهم صالح أعمالنا وتجاوز عنا سيئها ءامين والحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

    ردحذف

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©