السبت، 15 فبراير 2020

القاعدة الأولى التي قام عليها اعتقاد السلف الصالح في التعرف على أوصاف اللَّه عز وجل هي توحيده وإفراده عمن سواه ، فهم يتميزون عن سائر الناس بهذه الصفة صفة التوحيد ، سواء كان ذلك في إيمانهم بربوبية اللَّه تعالى وإفراده بالخلق والأمر 

كما قال : ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّه رَبُّ الْعَالَمِينَ ) [الأعراف:54] 

 أو كان في عبادتهم له سبحانه وتعالى كما قال تعالى : ( وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) [البينة:5] ، فلا يخضعون عن محبة ورغبة لأحد إلا لله ، ولا يشركون معه سواه في العبادة ، أو كان في إيمانهم بما أثبته اللَّه لنفسه من أنواع الكمالات في الأسماء والصفات ، فالتوحيد يقصد به في باب الصفات إفراد اللَّه سبحانه بذاته وصفاته وأفعاله عن الأقيسة والقواعد والقوانين التي تحكم ذوات المخلوقين وصفاتهم وأفعالهم .

والدليل على ذلك من القرآن قوله تعالى :  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ، والشاهد في الآية أن الله سبحانه بين انفراده عن كل شيء من أوصاف المخلوقين بجميع ما ثبت له من أوصاف الكمال والجمال والجلال وعلو شأنه فيها في كل حال .

وقال تعالى في أول سورة الإخلاص :  قلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ  [الإخلاص:1] ، وقال في نهايتها مبينا معنى الأحدية :  وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  [الإخلاص:4] ، أي أن الأحد هو المنفرد بأوصاف الكمال الذي لا مثيل له فنحكم على كيفية أوصافه من خلاله ، ولا يستوي مع سائر الخلق فيسري عليه قانون ، أو قياس ، أو قواعد تحكمه كما تحكمهم ، لأنه المتصف بالتوحيد المنفرد عن أحكام العبيد .

وقال تعالى :  هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا  [مريم:65] ، والمعنى الذي دلت عليه الآية هل تعلم لله شبيها مناظرا يدانيه أو يساويه ، أو يرقي إلي سمو ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ، وعلى ذلك فلا يمكن بحال من الأحوال أن نخضع أوصاف اللَّه لما يحكم أوصاف البشر من قوانين .

 ومن هنا يمكن القول إنه من البلاهة العقلية أن نطبق قوانين الجاذبية الأرضية على استواء اللَّه على عرشه أو على حملة العرش أو على نزوله إلي السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل ، لأن ذلك ينطبق على الكائنات الأرضية ولا ينطبق على رب البرية ، فهو منفرد متوحد عن قوانين البشر بذاته وصفاته وأفعاله ، ومعلوم أننا لم نر اللَّه ولم نر له مثيلا أو شبيها أو نظيرا ، والشيء لا يعرف إلا برؤيته أو برؤية نظيره فكيف نقول كما قالت الجهمية والمعتزلة والمتكلمون الأشعرية لو كان اللَّه على العرش لكان محمولا 


ولذلك فإن السلف الصالح فرقوا بين النصوص التي تدل على المخلوق والنصوص التي تدل على الخالق ، فالنصوص التي تدل على المخلوق تليق به ، وظاهرها مراد في حقه ، وهي معلومة المعني لورودها في القرآن والسنة باللغة العربية ، وكذلك معلومة الكيفية لأننا نراها بحواسنا ومدركاتنا ، أو نري نظيرها ، فنحكم عليها بالتشابه أو المثلية .

أما النصوص القرآنية والنبوية التي تدل على الخالق فهي معلومة المعني أيضا لأن اللَّه  خاطبنا باللغة العربية لا باللغة الأعجمية ، فلا يمكن القول إن كلام اللَّه بلا معني ، أو يشبه كلام الأعاجم والألغاز التي لا تفهم ، أما الكيفية الغيبية للصفات الإلهية التي دلت عليها تلك النصوص فهي كيفية حقيقية معلومة لله وتليق به ، لكنها مجهولة لنا لا نعلمها لأننا ما رأينا اللَّه  ، روى مسلم أن النبي صل الله عليه وسلم : ( تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَي أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حتى يَمُوتَ )


وكذلك ما رأينا لكيفيته سبحانه وتعالى نظيرا نحكم عليها من خلاله إذ يقول اللَّه تعالى :  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ  [الشورى:11] .

 والمسلم العاقل يعلم يقينا أن الفرق كبير بين مخلوقات الدنيا ومخلوقات الآخرة وأن اللَّه سبحانه وتعالى أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات من المطاعم والملابس والمناكح والمساكن ، وأخبر أن فيها لبنا وعسلا وخمرا ولحما وماءا وحريرا وذهبا وفضة وفاكهة وقصورا ، وتلك المخلوقات الغيبية تتوافق في الأسماء فقط مع المخلوقات التي في الدنيا من المطاعم والملابس والمناكح والمساكن ، وليست مماثلة لها أبدا ، بل بينهما من الفرق ما لا يعلمه إلا اللَّه تعالى ، فالخالق سبحانه وتعالى في ذاته وصفاته أعظم فرقا وأسمى توحدا وتميزا من ذات المخلوق وصفاته 

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©