الاثنين، 26 أغسطس 2019

ارتبطت عقيدة المسلمين في الإيمان بالقضاء والقدر بتوحيد الربوبية؛ لأن توحيد الربوبية هو إفراد الله بأفعاله، ومفعولات الله لا تكون إلا بقضاء وقدر، والإيمان بالقضاء والقدر أحد أركان الإيمان الستة المتعلقة بتصديق خبر الله عز وجل، فأركان الإيمان حددها رسول الله صل الله عليه وسلم بستة أركان معلومة، وردت فيما رواه مسلم من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعا: (قال فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت)

والشاهد أن أركان الإيمان التي ذكرها رسول الله صل الله عليه وسلم لجبريل علية السلام وهو في صورة الأعرابي أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، وقد صدقه جبريل علية السلام على ذلك، ومنها الإيمان بالركن الأخير، وهو الإيمان بالقدر خيره وشره، وتأخير هذا الركن ليكون سادس الأركان فيه دلالة على أنه لن يخرج عن قدر الله أحد، فالقدر فعل الله عز وجل في خلقه، والإيمان بالله إيمان بأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا أول ركن من أركان الإيمان، فالبداية منه تقديرا وتدبيرا، والتمام عليه خلقا وقدرا مقدورا.

ولذلك فإن هذه الأركان حملت في ترتيبها معنى مقصودا يدل على الجمع بين قدرة الله عز وجل وحكمته، فالمعنى الموضوع بين أركان الإيمان، أن تؤمن بالله الذي أنزل ملائكته بكتبه على رسله، ليحذروا العباد في دار الابتلاء من اليوم الآخر في دار الجزاء، فإذا انتهى الناس بعد العرض والحساب، واستقروا في الآخرة للثواب والعقاب، عندها يتم قدر الله عز وجل كما قدره في أم الكتاب، قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.



وتلك حقيقة الإيمان بالقدر خيره وشره، روى مسلم من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صل الله عليه وسلم يقول: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) 

 وروى مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن سراقة بن مالك رضي الله عنه قال: (يا رسول الله، بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن؟ فيما العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فيما نستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسرٌ لعمله)



ومن ثم فإن توحيد الربوبية هو أساس الفهم السلفي الصحيح لقضية الإيمان بالقضاء والقدر؛ لأنه مبني على إفراد الله بالخالقية، وما يلزمها من صفات الله كالعلم والإرادة والقدرة، فيستحيل عندهم حدوث شيء أو وقوع فعل بدون تقدير الله وقدرته، فلا يخرج عن قدرته مقدور، ولا ينفك عن حكمه مفطور، ولا يعذب عن علمه معلوم، ولا يجرى في سلطانه إلا ما يشاء، ولا يحصل في ملكه إلا ما سبق به القضاء، فهو سبحانه وتعالى عالم بما كان، وما هو كائن، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.



ومن شروط صحة إيمان العبد أن يصدق بجميع أقدار الله تعالى خيرها وشرها، وأنها من الله تعالى، سابقة في علمه، جارية في خلقه بحكمه، فلا حول لهم عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوة لهم على طاعته إلا برحمته، ولا يستطيعون لأنفسهم ضرا ولا نفعا إلا بمشيئته.

كتاب سهل - الرضواني
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©