الاثنين، 26 أغسطس 2019

العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح بل يشهد له ويؤيده لأن المصدر واحد، فالذي خلق العقل هو الذي أرسل إليه النقل؛ ومن المحال أن يرسل إليه ما يفسده، وإذا تعارض العقل مع النقل؛ فذلك لسببين لا ثالث لهما: إما أن النقل لم يثبت، فيتمسك مدعي التعارض بحديث ضعيف أو موضوع، وإما أن العقل لم يفهم النقل، ولم يدرك خطاب الله على النحو الصحيح.



إن الله عز وجل أعلم بصناعته لعقل الإنسان، وأعلم بما يصلحه في كل زمان ومكان، فإذا وضع الله نظاما ببالغ علمه وحكمته لصلاح صنعته، والتزم الإنسان به، كان من المحال أن يضل أو يشقى، أو يعيش معيشة ضنكا، إذا اتبع هذا النظام؛ ومعلوم عند سائر العقلاء أن أولى وأفضل من يضع نظام التشغيل للمصنوعات هو صانعها؛ فالهداية الحقيقية تكمن في قيادة النقل الصحيح لصاحب العقل الصريح، أو بتعبير آخر تكمن في قيادة الوحي الذي يمثل منهج الإسلام ودستوره ونظامه للعقلاء من البشر أصحاب الفطرة السليمة النقية.



والأدلة على ذلك من كتاب الله كثيرة لا تكاد تحصى؛ قال تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ، وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ الشورى:٥١/٥٣.



وقد بين النبي صل الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة أن صلاح الإنسانية في اتباع دينه ومنهجه في الحياة، والممثل في النقل الصحيح الثابت عن رسول الله صل الله عليه وسلم، وأن سنته هي وحدها سبيل النجاة، كما صح من حديث أبي هُريرة رضي الله عنه أنّ رسُول الله صل الله عليه وسلم قال: (كُل أُمّتي يدْخُلون الجنّة إلا منْ أبى، قالوا: يا رسُول الله، ومنْ يأْبى؟ قال: منْ أطاعني دخل الجنّة، ومنْ عصاني فقدْ أبى) ([1]).



ولا يمكن لعاقل يعلم أن صلاح الصنعة في اتباع نظام التشغيل الذي وضعه صانعها، لاسيما إن كان الصانع موصوفا بالعلم والخبرة، وكمال الحكمة وجودة الصنعة، ثم يعتمد في تشغيلها على نظام بديل لا علاقة له بالصنعة في قليل أو كثير، قد وضعه إنسان جاهل عاجز فقير، مهما ادعى أن نظامه ليس له في الدنيا مثيل أو نظير في الحرية والتقدم!



وكذلك لم نر عاقلا لديه صنعة قيمة في ذاتها، وقد دفع أموالا طائلة في شرائها، ثم عجز عن تشغيلها، أو ظن أنها قد تعطلت عن وظيفتها، وذهب في إصلاحها إلى غير وكيلها أو مُصنِّعها؛ فإذا كان المسلم العاقل مقرا بذلك فيما يحدث بين البشر، فكيف يترك شرع الله وهدايته، ويطلب هداية غير المسلمين في تشريعاتهم، ونظم حياتهم، وأخلاقهم وسلوكياتهم، ويستوردها من اليهود والنصارى والبوذيين وعباد الهوى في الشرق والغرب؟



قال تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا ، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا الكهف:١٠٣/١٠٤.

كتاب سهل - الرضواني
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©