الاثنين، 26 أغسطس 2019

الدليل على وجود الله عند أهل السنة والجماعة يسمى دليل الفطرة، وهو الإقرار بأن وصف الغنى والكمال وصف ذاتي انفرد به رب العزة والجلال، وأن وصف الحاجة والافتقار وصف ذاتي لكل مخلوق على وجه الاضطرار.

وبيان ذلك أن واقع الفطرة يشهد بأن جميع الخلائق فقيرة بذاتها؛ ولا تقوم بنفسها، وأنها تحتاج إلى غيرها في استمرار وجودها وبقائها؛ فكان فقرها بذاتها في وجودها واستمرار بقائها دليلا دامغا على وجود غني بذاته أقامها؛ لا يحتاج إلى غيره في وجوده وبقائه، وأن جميع الخلائق ترجع إليه بالضرورة لا محالة، فهو الذي أوجدهم فأحياهم، ورزقهم فأغناهم، ودبر أمورهم فأبقاهم، فبقاؤهم بإبقائه لهم، وبقاؤه ببقائه؛ واستغنائه عنهم، وذلك يشهد به فقرهم الذاتي، واحتياجهم الضروري لوجود إله غني بذاته، خلقهم الله فسواهم، وقدر أمورهم فهداهم، وكل ذلك واقع فيهم لتحقيق آثار قدرته، وظهورا لآثار حكمته، وتوحيدا موجبا لاستغنائه وربوبيته، وفقرا بالفطرة موجبا لاحتياجه إلى عبوديته، فتسبح الخلائق بحمده ومجده ورحمته، إما اضطرارا، وإما اختيارا، وإما فقرا، أو افتقارا. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ /فاطر:١٥.


لقد بين الله سبحانه في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر مركب في ذاتهم؛ لا ينفك عن طبيعتهم، كما أن كونه سبحانه غنيا حميدا محمودا على عطائه الدائم وصف ذاتي له؛ لأنه موصوف بالربوبية، فغناه وحمده واقع لذاته؛ وليس لسبب استحق به الغنى بعد أن كان فقيرا، بل هو رب العالمين قبل وجود الخلائق أجمعين، وحاجة العبد إلى ربه أمر ذاتي؛ يمثل فطرة العبودية، فهم فقراء بذواتهم إلى الله؛ سواء شعروا بذلك أو لم يشعروا، فالفطرة حاكمة عليهم؛ ودليل على علة احتياجهم إلى ربهم.



ومن هداه الله منهم؛ هو الذي لا يزال يشاهد فقره إلى ربه في كل حال، سواء في أمور دينه؛ أو شئون دنياه، يتضرع في كل وقت إلى الله، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على ذكره وشكره وحسن عبادته، ويستصحب هذا الافتقار موقنا به في قلبه وعقيدته. قال تعالى عن فقر نبيه موسى علية السلام:فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ/  القصص:٢٤ .
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©