الاثنين، 26 أغسطس 2019

لما كان القلب هو أساس صلاح الإنسان أو فساده كما ورد النص على ذلك في قول رسول الله صل الله عليه وسلم: (ألا وإِن فِي الجسد مُضْغة، إِذا صلحت صلح الجسد كُلهُ، وإِذا فسدت فسد الجسد كُلهُ، ألا وهِي القلب) 

فإن صلاحه يكون بصلاح أعماله، وفساده يكون بفساد أعماله، فأعماله لا محالة بين نجدين متقابلين.


والقلب هو سلطان البدن والأعضاء الأخرى كالرعية، ولما كانت منطقة الكسب في القلب هي المسيطرة على الخواطر في منطقة حديث النفس من جهة، وهي المسيطرة أيضا على الجوارح في سائر أعضاء البدن من جهة أخرى، كان القلب بالنسبة لهذه الأركان والأعضاء كالملك المتصرف في الجنود الذي تصدر كلها عن أمره، ويستعملها فيما شاء، فكلها تحت سلطانه وقهره، وتكتسب منه الاستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله، فالقلب فيه مشيئة العبد ونيته وإرادته وسائر أعمال القلوب، والأعضاء منفذة لما يأمرها به، قابلة لما يأتيها من توجيهه، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته، وهو المسئول عنها كلها، لأن كل راع مسئول عن رعيته.


وكل ما يحدث في أعمال الجوارح إنما هو آثار ناتجة عن أعمال القلب، ولا يمكن أن تنعدم أعمال الجوارح في المكلفين أبدا إلا بالنوم أو فقدان الوعي، وكما كانت أعمال الجوارح في الإنسان مترددة بين الطاعة والعصيان، فكذلك أعمال القلب التي تحركها مترددة بين الطاعة والعصيان، فلن نجد إلا عملا صالحا أو طالحا، أو بنسبة تتردد بينهما إن مال إلى الصلاح بقدر ابتعد عن الآخر بالنسبة التي تقابله. ولذلك لما علم عدو الله إبليس أن مدار المسئولية على القلب قارنه وعكف عليه بالوسواس ليلقي فيه جميع أنواع الشبهات، ويقوي جميع أنواع الشهوات، ويزين له من الأحوال والأعمال ما يصده به عن سواء الطريق، ويمده من أسباب الغي بما يقطع عليه أسباب التوفيق.


والإنسان في جميع أعماله القلبية مخير بين عبادتين، بين عبادة الله وحده لا شريك له وعبادة الطاغوت، والطاغوت هو الشيطان ومن استجاب له واتبعه من بني الإنسان، ومعلوم أن الشيطان لما نزل إلى الأرض نصب لنفسه عرشا على الماء ليتشبه باستواء الله على عرشه في السماء، بحيث يكون هو المعبود بالباطل والشرك في مقابل الإله المعبود بحق، فجعل نفسه إلها لأتباعه، وقرب إليه من كان من بني جنسه، أو كان من حزبه وطريقته، فالإنسان لا محالة بين عبوديتين إن أن يكون عبدا لله أو عبدا لشيطانه وهواه، وأعمال الجوارح في الإنسان إما تتحرك طاعة الله، وإما تتحرك طاعة لغيره، روى البخاري من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صل الله عليه وسلم يقول: (إِنما الأعْمال بالنيات، وإِنما لكُل امْرِىءٍ ما نوى: فمن كانت هِجْرته إِلى دُنيا يُصِيبُها، أوْ إِلى امْرأةٍ ينكِحُها، فهِجْرته إِلى ما هاجر إِليه)


وكذلك الإخلاص في القلب والصدق والصفاء، والطهارة والنقاء، والمحبة والخوف والرجاء، والتفويض والتوكل والالتجاء، والصبر والغيرة والهيبة والحياء، كلها أعمال للقلب متلازمة تدور حول قوة الاعتقاد واليقين والتقوى الباعثة لحركة البدن في اتقاء ما يؤدي إلى هلكة الإنسان، أو العمل على نجاته من النيران. وكذلك التفكر والبصيرة، والمعرفة واليقظة والمحاسبة، والتوبة والورع والتواضع، والتسليم والرضا والسكينة، والزهد والإنابة والإخبات، والخشوع والخشية والمراقبة، والإيثار والثقة بالله كلها أعمال للقلب مترابطة تدل على مقدار الاعتصام بالله، وقوة اليقين والثبات على الاختيار، والتمسك بحبل الله في دار الابتلاء والاختبار.

كتاب سهل - الرضواني
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©