الأحد، 4 أغسطس 2019

القاسم المشترك بين طوائف الصوفية أنهم يقسمون طريق السالكين تقسيما بدعيا، فيجعلونه على ثلاث مراحل، مرحلة تخص العوام وهي طريق العابدين، ووصفوا هؤلاء بأنهم أدنى أنواع السالكين الذين يعبدون الله طمعا في جنته وخوفا من ناره، فلا يوقرون الله إلا لما ينالهم من العوض. ثم المرحلة الثانية وهي تخص الأواسط من الناس، ويسلكون طريق المريدين، وهم الذين عبدوا الله لمحبة الذات الإلهية بلا عوض، كما اشتهر عن رابعة العدوية، فلا يطمعون في جنة ولا يخافون من نار.

ثم المرحلة الثالثة وتسمى بطريق العارفين الذين هم أرقى أنواع السالكين عند الصوفية، فإذا قيل هذا عارف بالله، فقد قطع المرحلتين السابقتين طريق العابدين وطريق المريدين. وهذا التصنيف يعد أساسا ساريا في كلامهم، وكلام من تأثر بهم من طوائف الصوفية المختلفة، إما تصريحا وإما تلميحا، وإما ظاهرا أو باطنا، وإما بارزا أو مستترا، فالأول هو توحيد العامة، والثاني للخاصة، والثالث لخاصة الخاصة.

وأصل الطريقة الصوفية الانتساب إلى شيخ عارف من قبل جماعة من المريدين يسلك بهم رياضة بدنية، وأورادا خاصة بهم على دعوى تصفية القلب لغاية الوصول إلى معرفة الله. ومن ثم فإن الطريقة الصوفية تعني اتصال المريد بالشيخ، وارتباطه به حيا أو ميتا، وذلك بواسطة ورد من الأذكار يقوم به المريد بإذن من الشيخ أول النهار وآخره, ويلتزم به بموجب عقد بينه وبين الشيخ، وهذا العقد يعرف بالعهد, وصورته أن يتعهد الشيخ بأن يخلص المريد من كل شدة، ويخرجه من كل محنة، متى ناداه مستعينا به, كما يشفع له يوم القيامة في دخول الجنة، ويتعهد المريد بأن يلتزم بالورد وآدابه فلا يتركه مدى الحياة، كما يلتزم بلزوم الطريقة وعدم استبدالها بغيرها من سائر الطرق.

وهناك تنافس محموم بين الطرق الصوفية لجذب المريدين، ولذلك فإن كل طريقة تحاول أن يكون لها ذكر خاص تنفرد به عن سائر الطرق, وأن يكون لهذا الذكر ميزة خاصة، ومسبحة خاصة، وحركات خاصة، ولكل طريقة مشاعر خاصة، من حيث لون العلم والخرقة وطريقة الذكر ونظام الخلوة وغيرها.

والطرق يتوارثها الأبناء من الآباء، وذلك أن الطريقة التي تستطيع جلب عدد كبير من المريدين والتابعين تصبح بعد مدة من الزمن إقطاعية صوفية تفد الوفود إلى رئيسها أو شيخها من كل ناحية في مولد الشيخ, وتأتيه الصدقات والهبات والبركات من كل حدب وصوب، وحيثما حل الشيخ في مكان ذبحت الطيور والخرفان وأقيمت الموائد, ولذلك فإن أصحاب الطرق الصوفية اليوم يتقاتلون عليها بالسيوف.

والطرق الصوفية وإن اختلفت وتباينت فإنها تتفق في الاحتفال بدخول المريد في الطريقة بطقوس مرسومة دقيقة, وقد يتطلب في بعض الطرق من المريد أن يمضي وقتا شاقا في الاستعداد للدخول، كما تتطلب التقيد بخرقة أو زي خاص يمثل رمز أصحاب الطريقة الذي يميزهم عن غيرهم.

ولا بد من اجتياز المريد مرحلة شاقة من الخلوة والصلاة والصيام وغير ذلك من الرياضات، والإكثار من الذكر مع الاستعانة بالموسيقى والطبل والحركات البدنية المختلفة التي تساعد على الوجد والجذب، ولابد من الاعتقاد في القوى السرية الخارقة للعادة التي يكتسبها المريدون بالمجاهدات، وهي القوى التي تمكنهم من أكل الجمر, والتأثير على الثعابين, والإخبار بالمغيبات، وفي كل الطرق قاسم مشترك وهو احترام شيخ الطريقة إلى درجة التقديس، فيكون المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي مغسله.

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©