لما كانت عقيدة أهل السنة والجماعة هي الإقرار بأن وصف الغنى والكمال وصف ذاتي انفرد به رب العزة والجلال، فإن الله خلق الخلائق فقراء بذواتهم  وأنهم في فقرهم لا حول لهم ولا قوة إلا بربهم، فكان من عدله وحكمته وفضله ورحمته أنه فرض على نفسه أن يتكفل بعد خلقهم بقضاء حوائجهم؛ وإمدادهم بما يكفي لقيام حياتهم، فقضى سبحانه تفضلا منه وتكرما أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فالعبد لا ينقطع رزقه أبدا؛ منذ أن شق سمعه وبصره في بطن أمه إلى أن يموت، غير أن الله عز وجل جعل رزقه في الدنيا مرتبطا بحكمته في تقليب الأسباب بالمنع والعطاء؛ وذلك لتحقيق معاني الامتحان والابتلاء؛ فإذا خرج منها فإن آخر رزقه من الدنيا يليه أول رزقه من الآخرة ؛ وذلك لتحقيق حكمته في ظهور معاني الجزاء.


 


وإذا أيقن الإنسان بذلك اطمأن قلبه إلى أن حوائجه ستقضى، وأنه لا بدّ من وصول الرزق إليه في وقته، كما لا بدّ من بلوغ أجله في موعده، فلم يكن عليه إلا مراعاة العمل بالأحكام، وتمييز الحلال من الحرام، والعمل بشريعة الإسلام. روى ابن ماجه وصححه الألباني من حديث جابِر بن عبد الله t أن رسُول الله صل الله عليه وسلم قال: (أيها الناسُ، اتقوا الله وأجملوا في الطّلبِ، فإِن نفسًا لن تموت حتى تسْتوْفي رزْقها، وإِن أبْطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطّلبِ، خُذوا ما حل، ودعُوا ما حرم) ([1]).


 


    وقد يكون الإنسان ممن أعطاهم الله من فضله، ووسع عليهم من رزقه، فيكون كالخازن في ملك سيده، كما كان سليمان بن داود u؛ لما منحه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وكذلك الأغنياء من الأنبياء والصحابة y؛ كانوا لا يرون لأنفسهم ملكا حقيقيا، بل كانوا يرون ما في أيديهم أمانة لله عز وجل، ووديعة استرعاهم الله فيها، وابتلاهم بها، لينظر هل يتصرفون فيه تصرف العبد الفقير بذاته، أو تصرف الذين يعطون ويمنعون لأهوائهم.


 


وهكذا ابتلى الله الناس في رزقهم، فكان وجود المال في يد العبد المقر بفقره الذاتي لا يقدح في افتقاره، وكان كالخازن لسيده الذي ينفذ أوامره في ماله، فهذا لو كان بيده من المال أمثال الجبال لم يضره، ومن لم يقر بفقره الذاتي، وظن أنه استغنى بذاته عن الغني، أصبحت الدنيا في قلبه أكبر همه، ومبلغ علمه، إن أعطي رضي، وإن مٌنع سخط، فهو عبد الدرهم والدينار، يصبح مهموما، ويمسي مغموما، قال تعالى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لّا يَشْعُرُونَ  المؤمنون:٥٥/٥٦.


 


وروى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه وسلم قال: (ليس الغِنى عن كثرة العرضِ، ولكِن الغِنى غِنى النفس) ([2]).


 


قال ابن تيمية: (وأما فقر المخلوقات إلى الله بمعنى حاجتها كلها إليه، وأنه لا وجود لها ولا شيء من صفاتها وأفعالها إلا به، فهذا أول درجات الافتقار، وهو افتقارها إلى ربوبيته لها وخلقه وإتقانه، وبهذا الاعتبار كانت مملوكة له، وله سبحانه الملك والحمد، وهذا معلوم عند كل من آمن بالله ورسله الإيمان الواجب، فالحدوث دليل افتقار الأشياء إلى محدثها، وكذلك حاجاتها إلى محدثها بعد إحداثه لها دليل افتقارها، فإن الحاجة إلى الرزق دليل افتقار المرزوق إلى الخالق الرازق) ([3]).


كتاب سهل - الرضواني

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©