علة احتياج العالم إلى وجود الله عند الفلاسفة دليل الإمكان، وبيانه عندهم أن العالم بأسره وجوده وعدمه أمر ممكن، والممكن لا بد له من مرجح يرجح وجود العالم على عدمه، فلابد إذا من واجب الوجود، وواجب الوجود هو الله كما قرره الفلاسفة، وهذا ما يسمى عندهم بدليل الإمكان وهو الدليل على وجود الله.

وهذا الدليل يعتمد عند الفلاسفة على تقسيم الأشياء التي يحكم فيها العقلاء إلى ثلاثة أقسام: واجب الوجود، وممكن الوجود، وممتنع الوجود، فالمقصود بواجب الوجود في عرف الفلاسفة هو استحالة تصور العقل لانتفاء وجود الشيء، كاستحالة حكم العقل بانتفاء وجود الخالق، والمقصود بممتنع الوجود هو ما يقابل واجب الوجود في المعنى، أما الحكم الثالث وهو ممكن الوجود فالمقصود به إمكانية وجود الشيء أو انتفاء وجوده، كحكم العقل بوجود المخلوق أو عدم وجوده.

ولنضرب مثالا لدليل الإمكان عند الفلاسفة: إذا اتفق اثنان على التوقيع على عقد شراء أو بيع، واشترط كل واحد منهما أنه لن يوقع على العقد إلا إذا وقع الطرف الثاني، عند ذلك يستحيل أن يتم التوقيع على العقد إلى يوم وفاتهما، إلا إذا تدخل مرجح بينهما وقدم أحدهما على الآخر؛ فيكون التوقيع ممكنا. وكذلك إذا تقدم اثنان لركوب السيارة واشترط كل منهما أن يركب الآخر قبله، فإن ركوب كل واحد منهما أمر ممكن بشرط وجود مرجح كالسائق، وأم مستحيل بغير وجوده.

والفلاسفة يستدلون لكلامهم العقلي بما استدل به المتكلمون الأشاعرة وهو قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ، وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ \ الأنعام:٧٤/٧٦. 

والمعنى عند الفلاسفة لا أحبّ عبادة الممكن الجائز، لأن الإله الحق واجب الوجود، وهذا تأويل باطل، لا يدل على مراد الخليل إبراهيم عليه السلام.

ودليل الإمكان قد يكون دليلا مقبولا من جهة العقل عند السلف على اعتبار أنه دليل ضمن الأدلة الكثيرة التي لا حصر لها في إثبات حقيقة الفقر الذاتي للخلائق، وقيامها على معنى العبودية، وحقيقة الغنى الذاتي للخالق، واتصافه بمعاني الربوبية، واحتياج جميع الخلائق إلى ربهم، فهذا مقبول طالما أنه موافق للمعقول الصريح، ومثال ذلك ترجيح وجود الشمس في مكانها، فيمكن أن تكون قريبة جدا من الأرض؛ فتقتل من عليها من شدة الحر، ويمكن أن تكون بعيدة جدا؛ تهلك من على الأرض من شدة البرد، فالذي وضعها في مكانها على هذا النحو هو الله .

وكان من الممكن في خلق الإنسان أن تكون عيناه في ظهره، أو بين شعر رأسه أو بطنه بدلا من وجهه، فهذه كلها ممكنات، لكن من خصصها هو الذي خلق العين ووضعها في أمان، وجعلها في أنسب مكان من الإنسان، وهذا دليل على مشيئته وقدرته، ورحمته وحكمته، ودليل على افتقار المخلوق في وجوده الذاتي إلى وجود الخالق الغني، وإقامته لمن سواه، كما قال تعالى: ا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ /  الانفطار:٦/٨. 

وقال سبحانه: أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ البلد:٨/١٠.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©