الثلاثاء، 11 يونيو 2019

أصل الصدق من الموافقة والمصادقة والمصاحبة والمطابقة، وسمي الصاحب صاحبا لمصادقته صحبه في أغلب الأمور، ومناصحته بالصدق في الشدة والسرور، فالمصادقة هي الموافقة والملاقاة، وإذا توافق قول الجنان مع قول اللسان، وفعل الجنان مع حركة الأبدان، ظهرت معاني الصدق في الإنسان، وإن اختلف قول القلب عن قول اللسان، وفعل القلب عن فعل الأبدان، ظهرت حقيقة الكذب والخيانة، والنفاق والغدر وانعدام الأمانة، فالصدق مطابقة القول والفعل الظاهري للقول والفعل الباطني.

والصدق المنافي للكذب شرط من شروط لا إله إلا الله، ويقصد به الوفاء بالعهد الذي قطعه المسلم على نفسه عند قوله لا إله إلا الله، فيصدق مع الله في توحيده، ويحقق مقتضى الشهادة من خلال الصدق في قوله وفعله، فلا بد من تنفيذ الوعد ومطابقة القول والفعل لما تم في شروط العقد، وإن لم يفعل كان كاذبا منافقا، ولم يكن في عهده صادقا.

ويلزم من قول العبد لا إله إلا الله صدقا من قلبه أن يتفق القلب واللسان والجوارح على عبادة الله وطاعته عند النطق بها، ويرسخ في اعتقاده التصديق بها، ومهما ابتلي في الحياة فلن يشك في أن الله هو المعبود بحق الذي يصدق في خبره دون تكذيب ويطاع في أمره دون عصيان.

والصدق عماد الإيمان، وبه قيامه وفيه تمامه ونظامه، والصديقون يعقبون النبيين، وأقل الصدق استواء السر والعلانية، والصادق من صدق في أقواله، والصديق من صدق في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ التوبة:١١٩.

والعبد سعادته في صدق عزيمته، ثم صدق حركته وسكنته، فصدق العزيمة الإصرار بلا تردد، فإذا صدق في عزيمته بقى عليه الصدق في حركته وسكنته، فيستفرغ وسعه في رضا الله وطاعته، ويبذل جهده في ابتغاء قربه ومحبته، وألا يتخلف عن عبوديته بشيء من ظاهره أو سريرته، فعزيمة القصد تمنعه من ضعف إرادته، وصدق الفعل يمنعه من فتور همته، ومن صدق الله في جميع الأمور، صدق في التوكل عليه، وصح الإخلاص لديه، ونجاه الله عند البلاء، ورفع عنه أسباب الشقاء.

وقال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا الأحزاب:٢٣.

كتاب سهل - الرضواني
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©