لماذا تعددت أنواع التقدير بين التقدير المبرم والمعلق؟

الجواب أن الله حكيم في صنعه، والحكمة صفته، ومقتضى الحكمة أن تقع الصنعة على وجه الكمال والإتقان، ولنضرب مثلا بقياس الأولى ولله المثل الأعلى، إذا كانت الصناعة المتقنة في الدنيا تتطلب الخبرة والحكمة، لاسيما المشروعات العملاقة الضخمة، فإن بناء أي مشروع من هذا النوع يتطلب تقديرا عاما شاملا وكاملا، لا يدع صغيرة أو كبيرة إلا بين فيها الأمر بيانا مفصلا، ثم إنه عند التنفيذ والتكوين بعد ذلك يقسم التقدير المكتوب في العموم والجملة والمجموع، إلى تقديرات في الخصوص تتعلق بكل جزء من أجزاء المشروع، وكل جزء من أجزاء المشروعات العملاقة يقسم أيضا إلى أجزاء أخص وأخص، وكل جزء له من التقدير الأدق والأدق ما يخصه حسب الزمان والمكان الذي يتم فيه الإنشاء والبنيان، فقد تتغير أحكام الزمان والمكان بتغير أحوالها، فمكان يقتضي أن يكون العمل فيه بالنهار لأن الطقس مشمس حار، ومكان يتطلب التأخير بعض الشيء لهطول الأمطار.

وهكذا تتفاعل منظومة العمل في إتمام المشروع، ثم إعداد تقرير عن كل موضوع، بحيث إذا رفع كل تقرير إلى الإدارة العليا يتوافق مع التقدير العام بمنتهى الإتقان والتوافق التام، لا خلل في الأمور صغيرها وكبيرها، وعلامة الجودة على جميع المصنوعات وأجزائها، هكذا يكون الكمال في الصنعة، وهكذا تكون الأعمال الناتجة عن الحكمة والخبرة، ولا أحد ينكر ذلك بين جميع العقلاء.

إذا كان ذلك من مقتضيات الكمال والإتقان في صنعة المخلوق،  فالله عز وجل له المثل الأعلى في السماوات والأرض قال عن نفسه: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ   الروم:٢٧. وقد ختمت الآية باسمين عظيمين من أسماء الله الحسنى، فالعزيز هو الذي تعزز بقدرته وغناه، فلا يفتقر إلى أحد سواه، والحكيم هو الذي يفعل الصنعة بدقة وإتقان وحكمة، فيبدأ الخلق ثم يعيده بكمال القدرة ومطلق الحكمة وبالغ الخبرة.

من أجل ذلك كان التنوع في أنواع التقدير فجعل الله عز وجل تقديرا أزليا عاما شاملا، وتقديرا ميثاقيا يتناول الإنسانية تناولا كاملا، وتقديرا عمريا يخص حياة كل إنسان على حدة، وتقديرا حوليا يخص سنة واحدة، وتقديرا يوميا لمتابعة التنفيذ في تكوين الخلائق لحظة بلحظة، وكلمة كلمة إلى أن ينتهي العالم كما كتبه الله في اللوح المحفوظ. ومن أجل ذلك أيضا تنوعت الأقلام، وتعدد تدوين الأحكام، وعلمنا أن أشرفها وأعلاها وأشملها  القلم الأول الذي جف بما هو كائن إلى يوم القيامة.

ولما كان التقدير العمري تقديرا معلقا بما تقوم به الملائكة كأسباب غيبية في تقرير شقاوة العبد وسعادته، ورزقه ومنيته، وعمله في دنيته، وسائر ما يلقاه في هذه الحياة، فإن شأن الملائكة في التقدير العمري شأن الأسباب المشهودة يدفع بعضها بعضا، والقاعدة في التقدير المعلق أن كل ما تعلق بالأسباب فإنه يقبل المحو والإثبات، لأن الأخذ بالأسباب يدفع بعضه بعضا ليؤدي إلى النتائج والمعلولات.

والله عز وجل إنما جعل الملائكة موكلة بمتابعة الإنسان في تقديراته العمرية، ليقع الأمر على ما قدره الله في القضاء المبرم، أو التقدير السابق الذي دون في أم الكتاب، والعلة إظهار الحكمة بتحقيق طاعة الملائكة لربها، والعناية بالإنسان الذي كرمه الله، وسيصبح خليفة عن الله على وجه الابتلاء، مستخلفا مخولا في الأرض إلى وقت القيامة والجزاء، وهم الذين قالوا عنه:  وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ  البقرة:٣٠. وذلك ردا منهم على ربهم حين ابتلاهم وقال لهم:وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ البقرة:٣٠. فاقتضت حكمة الله عز وجل تكليفهم بمتابعة الأوامر الإلهية الخاصة بإنشاء هذا الخليفة لحظة بلحظة، منذ أن كان نطفة إلى آخر لحظة في عمره عند بلوغ أجله، وأمرهم بمتابعة رزقه وعمله، وشقي هو أو سعيد؟ فيكتب الملك الأمر، ولا يعلم ما في اللوح من التقدير الأزلي، لأن ذلك التقدير لا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي مرسل كما تقدم ذكره.

ومن جهة أخرى كلف الله الملائكة بمتابعة الإنسان ليشعر بعجزه عندما يتأمل في فقره وانعدام قوته وحوله، ومدى ضعفه وهو في بطن أمه، وكيف سخر الله عز وجل من يقوم على رعايته، وهو لا يدري شيئا عن نفسه، كالطفل حين ولادته وعجزه، واحتياجه في كل شيء إلى غيره، اقتضت حكمة ربه أن غرس الحنان والرحمة في قلب أمه لينال كامل الرعاية حتى يصبح مكلفا مختارا مستخلفا راعيا مسئولا.

والتقدير اليومي يشمل مجموعة الأوامر اليومية التي تصدر في شأن الناس وحياتهم لحظة بلحظة، فالله عز وجل كل يوم هو في شأن حتى يقع التقدير اليومي مطابقا لما سبق به التقدير في اللوح المحفوظ، فيجتمع فيه مقتضى التدبيرات السابقة لحظة وقوع الحدث وتوالي خلق الأسباب، فالله عز وجل وله المثل الأعلى أتقن كل شيء بكمال حكمته، ورتب أمور التقدير في ملكه وصنعته، فكما تطلبت الصنعة ببالغ الحكمة تقديرا أزليا عاما شاملا، وتقديرا ميثاقيا يتناول الإنسانية تناولا كاملا، وتقديرا عمريا يخص حياة كل إنسان على حدة، وتقديرا حوليا يخص سنة واحدة، كذلك فإنها تتطلب تقديرا يوميا ختاميا، لمتابعة التنفيذ في وقوع الخلائق لحظة بلحظة، وكلمة من اللوح بكلمة، إلى أن ينتهي العالم كل يوم كما كتبه الله في اللوح المحفوظ، وينكشف سر التقدير بوقوع القدر والمقدر.

وكما أن كمال الصنعة يتطلب الخبرة، والمشروعات العملاقة تتطلب الحكمة، فإن مقتضى الكمال لدي العقلاء أن بناء أي مشروع محكم يتطلب خطة عامة، ولله المثل الأعلى ألا ترى أن كل دولة راقية في حكومتها تضع للبلاد خطة شاملة، أو خطة خمسية أو سداسية مفصلة، لا تدع صغيرة ولا كبيرة إلا قدرت أمرها، فكل جزئية في المشروع مهما قل حجمها أو زاد وزنها، لا بد من بيانها وتحديد علتها، كيف تنفذ؟ ومتى تنفذ؟ ولماذا تنفذ؟ وتضع أيضا موازنة عامة لحساب الإمكانيات من خلال معرفة الناتج والدخل المحلي والاستهلاك القومي، حيث يوازنون بين الصادرات والواردات، وغير ذلك من الحسابات، حتى يمكن تحديد الأهداف والغايات، وقياس العجز والفائض في الموازنات، ثم يضعون المقررات لكل هيئة حكومية، والرواتب المقدرة والعلاوات الوظيفية.

كل ذلك في إطار خطة عامة تقسم عند التنفيذ إلى ملفات ومجموعات، وكل مشروع له ملفه الخاص الذي وافق المسئولون على تنفيذه، ولكل شخص يدير المشروع له تكليف معين بخصوصه، فالمكتوب في الخطة العامة يقسم إلى تقديرات خاصة، تتعلق بكل جزء من أجزاء المشروع، وكل جزء من أجزاء المشروعات، يقسم أيضا حسب الزمان والمكان إلى أجزاء أخص وأدق، ومحسوب في كل خطة جزئية أو كلية معدل التغيير والتبديل حسب التغيرات الزمانية والمكانية، فقد تختلف الأوامر من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان.

وهكذا تتفاعل منظومة العمل في إتمام المشروع أو الخطة الخمسية أو السداسية، وإعداد التقارير عن كل جزئية، حتى تراجع الحسابات الختامية، وتنهي متعلقات كل سنة مالية. والإدارة العليا مفترض أن تراجع ما يحدث يوما بيوم ولحظة بلحظة، تراجع مراقبة الجودة وكمال الصنعة، وحسابات التكلفة بمنتهى الدقة، وحساب المتميزين في العمل والمقصرين، وأهم شيء عندها أن تنفذ الخطة العامة لمصلحة المواطنين يوما بيوم في منتهى الإتقان، وجميع التقديرات الخاصة تتوافق مع التقديرات العامة، بمنتهى الإتقان في الصنعة، ووضع الأشياء بمنتهى الحكمة، لا خلل في الأمور صغيرها وكبيرها، فهذه هي صفة الأعمال المحكمة، والصنعة البديعة المتقنة.

وإذا كان ذلك كمالا بالغا في المخلوق، فالله عز وجل وله المثل الأعلى أتقن كل شيء بكمال حكمته، ورتب أمور التقدير في ملكه وصنعته، فكما تطلبت الصنعة ببالغ الحكمة تقديرا أزليا عاما شاملا، وتقدير ميثاقيا يتناول الإنسانية تناولا كاملا، وتقدير عمريا يخص حياة كل إنسان على حدة، وتقديرا حوليا يخص سنة واحدة، كذلك فإنها تتطلب تقديرا يوميا وعملا ختاميا، لمتابعة التنفيذ في مشرع الخلق لحظة بلحظة، وكلمة كلمة إلى أن ينتهي العالم كل يوم كما كتبه الله عز وجل في اللوح المحفوظ.

اشترك في آخر تحديثات المقالات عبر البريد الإلكتروني:

0 الرد على "لماذا تعددت أنواع التقدير بين التقدير المبرم والمعلق؟"

إرسال تعليق

إعلان أسفل عنوان المشاركة

إعلان وسط المشاركات 1

إعلان وسط المشاركات اسفل قليلا 2

إعلان أسفل المشاركات