إن الله عز وجل يخلق ما يشاء، وهو على كل شيء قدير، خلق الإنسان بقدره وأماته وأحياه بحكمته، فاقتضت حكمته أن تكون مشيئة الإنسان في الدنيا معلقة بمشيئة الله، بحيث إذا أراد العبد شيئا عاد بفقره إلى مولاه، إما اضطرارا، وإما اختيار، فالعاقل المختار إذا علم ذلك وأراد شيئا في هذه الحياة استعان بالله، وفوض أمره إليه، وتوكل عليه، ورد حوله وقوته إليه، ليقينه أن مشيئته لن تتحقق إلا إذا شاء الله سبحانه تحقيقها.

والسبب في كون تحقيق مراد العباد في الدنيا متوقف على مشيئة الله ابتلاء الله لهم، فقد استخلفهم في أرضه، واستأمنهم في ملكه، ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فإذا علم العبد ذلك استسلم لربه، وعاد بفقره إليه، مسَلّما له ما استرعاه، مطيعا له فيما استأمنه وخوله، فيعطيه الله ما يريد، ويحقق له مطلبه.

وقد ثبت في الحديث القدسي الذي رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا إلى النبي صل الله عليه وسلم: (وما تقرب إلى عبدي بشيءٍ أحب إلى مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) .

ولما كانت العلة في الدنيا هي الابتلاء، وهي دار تعب وكبد، ولا يحقق الإنسان فيها ما يشاء إلا إذا شاء الله، فإن الآخرة جعلها الله عز وجل دارا للبقاء والجزاء، وجعل الجنة فيها دار القرار والنعيم المقيم، ومن ثم اقتضت حكمة الله أن يكون تحقيقه لمراد أهل الجنة معلقا بمشيئتهم، فما من نعيم يطلبونه إلا ويخلقه لهم في توال مستمر، خالدين فيها أبد، قال تعالى:  قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيرًا ، لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولا الفرقان:١٥/١٦.

وكما اقتضت حكمة الله أن يكون تحقيقه لمراد أهل الجنة معلقا بمشيئتهم، فإن حكمته اقتضت أيضا أن يكون تحقيقه لمراد أهل النار معلقا على عكس مشيئتهم، تبكيتا لهم، وإظهارا لعدله فيهم.

وإذا كانت قدرة الله مظهرة لمشيئته، والكون كله بقضائه وقدره، فإن حكمته اقتضت أن يتقلب الخلائق بين فضله وعدله، فتحقيق المراد لأهل الجنة علقه الله بمشيئتهم إكراما لهم، وإظهارا لمحبتهم, بعكس الوضع في الدنيا فتحقيق المراد لأهل الدنيا علقه الله بمشيئته لا بمشيئتهم, ابتلاء لهم وإظهار لإيمانهم فسبحانه وتعالى من قدير حكيم.

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©