الثلاثاء، 11 يونيو 2019

عقيدة أهل السنة والجماعة في صفات الله أن الله عز وجل لا يتصف إلا بالكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه كالحياة والعلم والقدرة، والسمع والبصر والرحمة، والعزة والحكمة والعظمة، وغير ذلك من أوصاف الكمال، أما ضد ذلك من أوصاف النقص كالموت والعجز والظلم، والغفلة والسنة والنوم، فقد تنزه ربنا عن ذلك وسبحه الموحدون، وقال المؤمنون في وصفه كما قال المرسلون: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ / الصافات:١٨٠.

أما إذا كان الوصف عند عدم الإضافة إلى الخالق أو المخلوق في موضع احتمال، فكان كمالا في حال ونقصا في حال، فلا يصح إطلاقه على الله إلا في موضع الكمال فقط، ونقول: هذه الصفة من صفات الله المقيدة بموضع الكمال كالمكر والخداع والنسيان ،والسخرية والكيد والإبرام، والاستهزاء والسؤال والتردد والاستخلاف وغير ذلك مما ورد في القرآن والسنة.

وبيان ذلك أن المكر عند التجرد هو التدبير في الخفاء بقصد الإساءة أو الابتلاء، أو المعاقبة والجزاء، فقد يكون قبيحا مذموما إذا كان مكرا بالسوء عند الابتداء، وقد يكون محمودا ممدوحا إذا كان بقصد الابتلاء أو المعاقبة والجزاء، ولهذا لا يصح إطلاق الماكر في حق الله عز وجل، اسما أو وصفا دون تخصيص بموضع الكمال؛ لأن الإطلاق فيه احتمال اتصاف الله بالنقص أو الكمال؛ وقد نسب الله عز وجل المكر إلى نفسه مقيدا بموضع الخيرية والكمال في مقابل مكر الكافرين بالسوء والنقص، فقال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ الأنفال:٣٠. فالمكر مقيد بموضع الكمال فقط.

ولذلك لم ينسب الله لنفسه الخيانة في مقابل خيانة الكافرين، لأن الخيانة لا تكون إلا نقصا على الدوام سواء في الفعل أو رد الفعل في البداية والنهاية كما قال تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ الأنفال: ٧١. ولم يقل: خانوا الله فخانهم؛ لأن الخيانة نقص دائم.

وما يقال في المكر يقال أيضا في الخداع، قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا النساء:١٤٢. وكذلك النسيان قد يكون بمعنى عدم التذكر؛ فلا يجوز نسبته إلى الله عز وجل كما قال موسى عليه السلام: قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لّا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى طه: ٥٢. وقد يكون بمعنى عدم الذكر في الملأ الأعلى كما قال تعالى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ / التوبة: ٦٧. 

في مقابل قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ البقرة:١٥٢.

وكذلك الاستهزاء لم ينسبه الله لنفسه إلا في مقابل استهزاء المنافقين برب العالمين وعباده المؤمنين، فقال تعالى:

وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ /
البقرة:١٤/١٥. 

وقس على ذلك السخرية والكيد والإبرام، فإن ذلك يكون كمالا في موضع ونقصا في آخر، فلا يتصف به إلا في موضع الكمال كما قال رب العزة والجلال في السخرية بالمنافقين في مقابل سخريتهم بالمتصدقين من فقراء المؤمنين: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ التوبة:٧٩. وقال سبحانه في الكيد بالكافرين في مقابل كيدهم بالمؤمنين: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ، وَأَكِيدُ كَيْدًا / الطارق:١٥/١٦. 

وقال في الإبرام: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ الزخرف: ٧٩. أي أبرم هؤلاء المشركون من قريش أمرا فأحكموه ليكيدوا به للحقّ الذي جئناهم به، فإنا محكمون لهم ما يخزيهم ويذلهم من النكال.

وكذلك السؤال قد يكون لعدم العلم، وقد يكون لإظهار الفضل، فلا ينسب إلى الله إلا مقيدا بموضع الكمال كما ورد عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صل الله عليه وسلم: (يتعاقبُون فِيكُمْ ملائِكةٌ بِاللّيْلِ وملائِكةٌ بِالنّهارِ، ويجْتمِعُون فِي صلاةِ الْعصْرِ وصلاةِ الْفجْرِ، ثُمّ يعْرُجُ الّذِين باتُوا فِيكُمْ؛ فيسْألهمْ وهْو أعْلمُ بِهُمْ؟ فيقُولُ: كيْف تركْتُمْ عِبادِي؟ فيقُولُون: تركْناهُمْ وهُمْ يُصلّون، وأتيْناهُمْ وهُمْ يُصلّون) ([1]).

وكذلك أيضا ما ورد في السنة في شأن التردد، فالتردد عند الإطلاق قد يكون كمالا في موضع ونقصا في آخر، فلو كان التردد عن جهل، وقلة علم، وعدم إحكام للأمر كان نقصا وعيبا ومذمة، وإن كان التردد لإظهار الفضل والمحبة مع إنفاذ الأمر وتحقيق الحكمة؛ كان كمالا ولطفا وعظمة، وهو المقصود في الحديث الذي رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا إلى النبي صل الله عليه وسلم عن رب العزة أنه قال: (وما تردّدْتُ عنْ شيْءٍ أنا فاعِلهُ تردُّدِي عنْ نفْسِ المُؤْمِنِ، يكْرهُ الموْت، وأنا أكْرهُ مساءتهُ) ([2]).

وكذلك الاستخلاف لا يصح نسبته إلى الله إلا مقيدا بموضع الكمال، كما قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَالبقرة:٣٠. فلا يجوز القول بأن الإنسان خليفة عن الله عز وجل في أرضه دون تقييد؛ لأن الاستخلاف قد يكون بسبب عجز المستخلِف عن القيام بملكه أو تدبير أمره، إما لغيابه أو قلة علمه، وإما لمرضه أو موته كاستخلاف القائد نائبا لولاية الأمر على قومه أو جنده، ومثل هذا لا يجوز نسبته إلى الله بحال من الأحوال. وقد يكون الاستخلاف سببه اختبار الإنسان وامتحانه وتشريفه وإكرامه إذا نجح فيما ابتلاه الله، وأطاعه فيما خوله واسترعاه، قال تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا الإنسان:٢.

وعلى ذلك المعنى يصح القول إن الإنسان خليفة عن الله عز وجل في الأرض لتنفيذ الأوامر الشرعية وتحقيق التوحيد في العبودية، وألا يشرك بالله في شيء من معاني الربوبية، فيؤمن بأن الله عز وجل من فوق العرش معه، يراه ويسمعه، ويدبر أموره في كل لحظة تدبيرا كونيا وتدبيرا شرعيا.

وينبغي الحذر من عقيدة بعض المتكلمين الأشاعرة الذين يجعلون نسبة الصفات المقيدة أمورا مجازية، ويزعمون أنها أطلقت على الله عز وجل من باب المشاكلة اللفظية دون إثبات الصفات الحقيقية في موضع الكمال، وهذا تأويل منهم بلا دليل يخالف مراد الله ورسوله صل الله عليه وسلم.



كتاب سهل - الرضواني
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©