الثلاثاء، 11 يونيو 2019

لما اتبعت المعتزلة طريقة الجهم بن صفوان في أن العقل هو الذي يقرر إثبات الصفات الإلهية أو نفيها، ووجدوا ما ورد في الكتاب والسنة يخالف ما ذهبوا إليه في إثباتها، تشبعوا بالرغبة في نفي النصوص وتعطيلها، محتجين بأن إثباتها يدل على التشبيه وأنواع المحال، وأن ظاهر النصوص باطل واعتقاده ضلال، ورتبوا على هذا الأصل نفي أوصاف الكمال اللائقة برب العزة والجلال، فردوا الأخبار وأنكروا الآثار التي ثبتت في رؤية الله عز وجل يوم القيامة، وقالوا أيضا بنفي صفة الكلام عن الله عز وجل، وجعلوه عاجزا عن التكلم بالقرآن، بحجة أنه لو كان متكلما في زعمهم لكان له فم ولسان، وهذا على زعمهم تشبيه لله بالإنسان.


 


ولما أصر المعتزلة على نفي صفة الكلام عن الله عز وجل تبادر إلى الذهن سؤال هام، وهو: إذا كان الله عز وجل لا يتكلم، فهذا القرآن كلام من؟ ومن الذي تكلم به؟ فقالوا تكلم به محمد صل الله عليه وسلم ولم يتكلم الله به، ولما كان محمد صل الله عليه وسلم مخلوقا فكلامه مخلوق، وقد خلق الله محمدا وخلق كلامه كما خلق سائر الأشياء، فرفعوا هذا الشعار البدعي، وقالوا بخلق القرآن تعبيرا منهم عن نفي صفات الله.


 


وفي بداية القرن الثالث الهجري تصادق المأمون بن هارون (ت:218هـ) مع بعض دعاة المعتزلة، وذلك قبل أن يكون خليفة المسلمين، فقرب إليه رجلا يقال له بشر المرييسي من أصل يهودي، وآخر يقال له أحمد بن أبي دؤاد الإيادي، وكان من أشد المتعصبين للمذهب الاعتزالي، فلما قرب الخليفة المأمون رجالا من هؤلاء المعتزلة أقنعوه ببدعتهم في خلق القرآن، وأصبح ألعوبة في أيديهم، ونصحوه أن يلزم جميع المسلمين بقولهم إصلاحا للدين على زعمهم. ولما تولى المأمون بن هارون الخلافة فرض على الناس بدعة القول بخلق القرآن وهي بدعة جديدة لم تكن في أسلافهم تسمى في التاريخ الإسلامي بالبدعة الكبرى، أو بدعة تعطيل الصفات، فقد أحدثت انقساما شديدا في الأمة الإسلامية، وصار الناس وقتها فريقين:


الفريق الأول: فريق يتابع الخليفة على رأي المعتزلة، وينفون صفة الكلام عن الله عز وجل، ويعتقدون أن القرآن مخلوق، ومن قال بغير ذلك أصبح عندهم مشبها مرتدا، كافرا يستوجب القتل حدا، وهؤلاء هم أهل القوة وولاة الأمر، فالمأمون استخدم قوة الدولة في تأييد هذا الرأي وإلزام الناس بهذه البدعة، وأصبحت بدعة القول بخلق القرآن وإلزام المسلمين بها على رأس القضايا في اهتمامات الخلافة، حيث يواجه فيها أضعف الناس من المعترضين على هذه البدعة قوة الدولة ورهبة الخلافة والسلطان.


الفريق الثاني: فريق مستضعف يمثلهم علماء أهل السنة والجماعة ومعهم عامة المسلمين المستضعفين وغيرهم، وهؤلاء يقولون بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ويؤمنون بما أخبر الله عن نفسه في كتابه وسنة نبيه صل الله عليه وسلم، من غير تمثيل ولا تكييف، ومن غير تعطيل ولا تحريف.


 


غير أن المواجهة اشتدت بين الفريقين، فلم يبق أحد من فقيه ولا محدث ولا مؤذن ولا معلم إلا ألزموه أن يقول بأن القرآن مخلوق، وهرب كثير من الناس فرارا بدينهم، وملئت السجون بمن أنكر على المبتدعة من المعتزلة، وقد وصل التحدي إلى أن الخليفة المأمون أمر أن يكتب على أبواب المساجد: لا إله إلا الله رب القرآن وخالقه، ومنع الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد من المحاضرات في المساجد وتبليغ العلم؛ ولم يكتف المأمون بذلك بل أرسل إلى جميع علماء أهل السنة رسالته الشهيرة التي أوجب فيها على كل مسلم أن ينفي عن الله عز وجل صفة الكلام، وأن يقول بخلق القرآن تحقيقا لسلامته وإلا سيواجه قوة الدولة بمفرده.


 


وقد نصر الله سنته وأعز دينه بالإمام أحمد بن حنبل الذي وقف لله عز وجل وقفة يضرب بها المثل في الثبات على الحق والتمسك بالسنة حتى قيل: أبو بكر ليوم الردة، وعمر ليوم السقيفة، وأحمد ليوم البدعة.


 


وقد بدأت المحنة الحقيقية سنة 218هـ عندما أرسل المأمون كتابه الشهير الذي طلب فيه من الولاة أن يختبروا أهل العلم في القول بخلق القرآن، وبرر ذلك بحجج باطلة، وشبهات فاسدة، وقد كان رد الفعل في بغداد أن إسحاق بن إبراهيم والي الخليفة أحضر الفقهاء والمحدثين والقضاة، وكان من أبرزهم أحمد بن حنبل، حيث رفض الإقرار برأي الخليفة، وأصر على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وثبت معه في المحنة عالم من علماء السنة يقال له محمد بن نوح، فوضعهما إسحاق بن إبراهيم في القيود وأخْرجهما من سجن بغداد متوجهين على بعير واحد متعادلين مقيدين إلى الخليفة المأمون، وكان بمدينة طرسوس في شمال الشام، فلما اقتربا من معسكر الخليفة ونزلوا على مسافة منه وجد الإمام أحمد أن الناس في خوف شديد ورهبة ووعيد إذا لم يقولوا بخلق القرآن، فجثا الإمام أحمد على ركبتيه ودعا ربه قائلا: (سيدي ومولاي غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته).


 


وما أن انتهى الإمام أحمد من دعائه حتى أمات الله الخليفة المأمون، وأهلكه على الفور، وذلك قبل أن يلقاه، ومات المأمون غير مأسوف عليه، فقد جمع أهل البدعة والضلالة وقربهم إليه، وآزرهم ومكنهم من رقاب العباد، فخدعوه وأخذ عنهم هذا المذهب الباطل. وبعد ذلك تأكد للعامة قبل الخاصة صدق ما عليه إمام أهل السنة، وقويت مكانته في القلوب، ولكن المعتصم الذي تولى الخلافة بعد هلاك المأمون لم يتعظ بما حدث لأخيه، فأعاد الإمام أحمد بن حنبل إلى سجن بغداد وبقي وحيدا في سجنه مقيدا بالحديد في يديه ورجليه ثمانية وعشرين شهرا، وهو صامد صادق، يؤم السجناء ويخفف عنهم، ويعلمهم كتاب الله وسنة رسوله صل الله عليه وسلم.


 


وقد أخرجوه بعد هذه المدة لمناظرة المعتزلة في حضور الخليفة المعتصم، وقد استمرت المناظرة في أول يوم عدة ساعات، والإمام أحمد واقف يجادلهم ويناظرهم ويغلبهم في الحجة، والخليفة المعتصم يعلوه الهم والغم، ويرى ضعف أتباعه من المعتزلة في مواجهته، فكلما استدلوا بدليل أبطله الإمام أحمد، فربما يستدلون بآية في غير موضعها، وربما يحرفون المعاني عن دلالتها، حتى طال المجلس أياما، وغلب الهم على المعتصم، وانتقل من الترغيب إلى الترهيب وانتصر لسلطانه، وقام إلى الإمام أحمد وقال له: عليك اللعنة، خذوه واسحبوه وعلقوه؛ فضربوه قرابة ثمانين سوطا ضربا مبرحا شديدا حتى سال دمه على ثيابه، وتقطع اللحم من جسده حتى ذهب عقله وحسه، فأرعب ذلك المعتصم وأحس بقوة الحق التي تدفع الإمام أحمد إلى الصبر والثبات، فأمر به فأطلقوه؛ وأفاق الإمام أحمد من غيبوبته فوجد القيود قد حلت من يديه ورجليه؛ وقال له أحدهم: إنا كببناك على وجهك ودسناك بأقدامنا.


 


وقد ندم المعتصم على جلده للإمام أحمد، وأرسل إليه من يتابع خبر معافاته من آثار ما فعله به، حتى صح الإمام أحمد وبرئ بحمد الله، وعلى الرغم من ذلك ظل أمر العقيدة أيام المعتصم والمذهب الرسمي للخلافة الإسلامية في جميع الأقطار هو مذهب المعتزلة. وكان ذلك بسبب حاشية الخليفة وبطانة السوء من اتباع الجهمية وعلماء الكلام، فبقيت المساجد مكتوب عليها: لا اله إلا الله رب القرآن وخالقه.


 


وكان الفقهاء والمحدثون قد امتلأت بهم السجون، والناس يهربون إلى البادية خوفا من البطش والقتل وفرارا بدينهم، فكم من دماء سفكت، وكم من رقاب قطعت، وكم من رؤوس علقت، لأنهم عارضوا أهل البدعة القائمين على الخلافة. وقد ظهر جيل جديد في الأمة الإسلامية شب وترعرع بين هذه الأفكار البدعية التي أحدثتها فرقة المعتزلة بأصولها الخمسة، وتقديمها العقل وشبهات الجهمية على ما ورد في النصوص القرآنية والنبوية، هذه البيئة مثلت مستنقعا فكريا نتن الرائحة لم تسلم الأمة من الأمراض والأوبئة التي نشأت فيه حتى اليوم.


كتاب سهل - الرضواني

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©