الثلاثاء، 11 يونيو 2019

عقيدة أهل السنة والجماعة في صفة الكلام هي إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته رسوله صل الله عليه وسلم من وصف الكلام والتكليم، فالكلام وصف ذاتي لله أزلي أبدي لأنه من لوازم الكمال، وضده من أوصاف النقص، ولهذا ذم الله بني إسرائيل لاتخاذهم العجل إلها يعبد من دون الله. قال تعالى: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ الأعراف:١٤٨.


وكذلك التكليم وصف فعلي لله عز وجل متعلق بمشيئته، فالله عز وجل يتكلم إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء بالكيفية التي تليق بجلاله، يتكلم بحرف وصوت يسمع، سمعه جبريل u من الله، وسمعه بعض أنبيائه كما قال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ البقرة:٢٥٣. وروى البخاري من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: (ما مِنْكُمْ مِنْ أحدٍ إِلاّ سيُكلّمُهُ ربّهُ ليْس بيْنهُ وبيْنهُ تُرْجُمانٌ، ولا حِجابٌ يحْجُبُهُ) ([1]).


 


وقد تواترت الأدلة بما لا يدع مجالا للشك على ثبوت صفة الكلام لربنا تبارك وتعالى، وأنه يتكلم إذا شاء، وبما شاء، وكيف شاء، وأنه يتكلم بكلام يُسْمعه من يشاء، وأن القرآن الكريم الذي هو سور وآيات، وحروف وكلمات هو عين كلامه حقا، لا هو من تأليف ملك، ولا هو من تأليف بشر، وأن القرآن بجميع حروفه ومعانيه نفس كلامه الذي تكلم به.


 


وأهل السنة والجماعة لا يقولون في صفة الكلام بقول أهل الضلال والبدع من الفلاسفة وأتباع الجهمية كالمعتزلة والأشعرية، فلا يقولون بقول الفلاسفة وزعمهم أن كلام الله هو ما يجول في عقول النفوس الزكية كنفوس الأنبياء من أفكار ذاتية و طاقة كونية تصدر من العقل الفعال، ويقصدون به رب العزة والجلال تعالى الله عن قولهم.


 


وأهل السنة لا يقولون أيضا بقول المعتزلة في نفي صفة الكلام عن الله، وزعمهم أن كلام الله هو كلام محمد صل الله عليه وسلم، وأن محمدا صل الله عليه وسلم لما كان مخلوقا، فكلام الله مخلوق أيضا، والقرآن مخلوق خلقه الله عز وجل في محمد صل الله عليه وسلم كما خلق سائر الأشياء، وكل ذلك هدم صريح للنقل الصحيح وإبطال للكتاب والسنة.


 


وكذلك فإن أهل السنة لا يقولون بقول الأشعرية وغيرهم من المتكلمين بأن كلام الله كلام نفسي، وإيحاء رباني، يماثل إيحاء الأخرس العاجز عن البيان النصي، وأن جبريل عليه السلام هو الذي يعبر نيابة عن الله عز وجل وينقل هذه الإيحاءات الربانية للأنبياء والرسل، سواء كان الكلام عربيا أو عبريا أو سريانيا، فإن عبر عنه جبريل u بالعربية سمعه منه محمد صل الله عليه وسلم قرآنا عربيا، وإن عبر عنه بالعبرانية سمعه منه موسى u توراة عبرية، وإن عبر عنه بالسريانية سمعه عيسى u إنجيلا سريانيا، ومثل هذا المذهب أعني مذهب الأشعرية الذي يجعل كلام الله كلاما نفسيا تبطله النصوص القرآنية والنبوية وتأباه الفطرة النقية، وترده جميع الدلالات العقلية.


كتاب سهل - الرضواني


مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©