1- التطلع إلى رؤية المحبوب، وإقبال البصر عليه، فإن العين باب القلب وهي المعبرة عن أفكاره والكاشفة عن أسراره، وهي أبلغ في ذلك من كلام اللسان وحركة الأبدان، ومن هنا بدت علامة العبودية والمحبة على الموحدين، فالموحد يعبد الله كأنه يراه وينعم بذكره في الصلاة والمناجاة، ويتطلع إلى أن ينعم الله عليه بعد جنته برؤيته، وهذا هو ما دفع موسى عليه السلام إلى طلبه رؤية الله، طلبها بباعث الحب وظهور علاماته، وفهمه لأسماء الله وصفاته.



2- ومن علامات المحبة الغيرة للمحبوب، فالغيرة للمحبوب أن يكره ما يكرهه المحبوب، ويغار إذا عُصِي في كل مطلوب، فيغار العبد لربه إذا انتُهكت حرماته، وضُيعت كلماته، فهذه غيرة المحب على معبوده حقا، ودين الله يندرج تحتها صدقا، فأقوى الناس دينا أعظمهم غيرة لله، ومن قال لا إله إلا الله بحق وأحب الله ورسوله ‏صل الله عليه وسلم‏ بصدق يغار لله، ويغار لرسوله ‏صل الله عليه وسلم‏ على قدر محبته وإجلاله، وإذا انعدمت الغيرة لله ولرسوله ‏صل الله عليه وسلم‏ من القلب انعدم الحب فيه، وإن زعم أنه من المحبين فهو كاذب، فإذا كان من ادعى محبة إنسان ورأى غيره منتهكا لحرمته، ويسعى في أذيته، ويخوض في عرضه وذمته، وهو ساكن لا يتحرك قلبه، بل قلبه قلب بارد لا يغار لصديقه ومحبوبه، فإنه عند الجميع كاذب في حبه، منافق في ادعاء قربه، لعلمهم أن الغيرة للمحبوب من علامات المحبة الصادقة، فكيف يصح لعبد أن يدعي محبة الله وهو لا يغار لمحارمه إذا انتهكت، ولا لحقوقه إذا ضيعت، فأضعف الإيمان أن يغار لله من هواه الداعي إلى الشهوة، ومن شيطانه وطغيانه الداعي إلى الشبهة، فيغار لمحبوبه من تفريطه في حقه وارتكابه لمعصيته، وإذا ذهبت هذه الغيرة من القلب ذهب منه الحب، وسقط شرط من شروط لا إله إلا الله، بل ذهب منه الدين وأصوله، وإن بقيت آثاره وأطلاله. وهذه الغيرة هي أصل الجهاد الأكبر، وأصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن خلت هذه الغيرة من القلب لم يجاهد الإنسان، ولم يأمر بالطاعة والإيمان، ولم ينه عن المنكر والعصيان.



وأما الغيرة على المحبوب كغيرة الإنسان على زوجته وغيرته على أمه وابنته، فيغار أن يتعرض أحد لذكرهن أو المساس بعرضهن، فإن هذه الغيرة تختص بالمخلوق، ولا يجوز تصورها في حق الخالق، لأن المحب الصادق يحب أن الناس كلهم يحبون الله، ويذكرونه ويعبدونه ويحمدونه ويشكرونه، ولا شيء أقر لعين المؤمن من ذلك، بل هو يدعو إلى ذلك بقوله وعمله.



وكثير من الصوفية لم يفرقوا بين الغيرة لله، والغيرة على الله، فضلوا وشبهوا غيرتهم على الله بغيرتهم على نسائهم، حتى وقع في كلامهم غلط عظيم وبهتان جسيم، وكان بعض جهلتهم إذا رأى من يذكر الله أو يحبه يغار منه، وربما أسكته إن أمكنه، ويقول: غيرة حبي على ربي تحملني على هذا، وإنما ذلك حسد وعصيان، وبغي وعدوان، ونوع معادة للرحمن، أخرجوها في قالب الغيرة، وشبهوا محبة الله بمحبة المخلوقين.



3- ومن علامات المحبة بذل المحب كل ما في وسعه وطاقته لرضا لمحبوبه، كما كان الصحابة  يدافعون عن رسول الله ‏صل الله عليه وسلم‏ في الحرب بنفوسهم، حتى ولو أدى ذلك لهلاكهم، وذلك من فرط حبهم له ‏صل الله عليه وسلم‏، ومعلوم أن من آثر محبوبه بنفسه بذل ما في وسعه من ماله وملكه، والصحابة y سلموا أنفسهم ووضعوا أموالهم لما يراه رسول الله ‏صل الله عليه وسلم‏، فقالوا: هذه أموالنا نقدمها إليك، وهذه نفوسنا بين يديك؛ فاحكم فيها بما شئت يا رسول الله، لو خضت بنا البحر لخضناه معك، نقاتل بين يديك، ومن خلفك، وعن يمينك، وعن شمالك.



4- ومن علامات المحبة التي تكشف مقدار الحب في القلب سرور المحب بما يسر به محبوبه كائنا ما كان، وإن كرهته نفس الإنسان، فيكون عنده بمنزلة الدواء الذي يحبه لما فيه من الشفاء، وهكذا المحب مع محبوبه، يسره ما يرضيه على أي حال، أما من كان واقفا مع ما تشتهيه نفسه من الرخص في الأحكام متتبعا لفتاوى أهل الكلام فليست محبته لله محبة صادقة، بل هي محبة ناقصة.



5- ومن علامات المحبة كثرة ذكر المحبوب والاستمتاع بحديثه، فمن أحب شيئا أكثر من ذكره واطمئن إليه بقلبه، وشتان بين أن تذكر الله لأنك مضطر إلى ذكره، وحياتك قائمة على أمره، وبين من يكثر من ذكره رغبة في حبه وقربه، ولهذا أمر الله عباده بكثرة ذكره على جميع الأحوال، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا /   الأحزاب:٤١/42.



6- ومن علامات المحبة الصادقة النظر إلى أفعال المحبوب فإن كانت نقصا سترها وإن كانت كمالا أذاعها ونشرها، ألا ترى الوالد مع ولده، من محبته يرفع من شأنه ودرجته، ويهون من نقصه وعيبته، فما بالنا إذا كان ربنا ومحبوبنا أفعاله كمال من كل وجه، ولا نقص فيها بوجه من الوجوه، ألا يحتم ذلك علينا مدحه والنظر في صنعه والمدوامة على شكره وذكره، ومن هنا وبدافع الحب الذي هيمن على القلب أراد إبراهيم  مزيدا من القرب برؤيته لفعل الله في إحياء الموتى فقال: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ البقرة:٢٦٠ .



7- ومن أهم علامات المحبة التي هي شرط من شروط لا إله إلا الله طاعة المحبوب والانقياد لأمره والتصديق بخبره، وهذا يحصل فقط بالمتابعة لنبيه ‏صل الله عليه وسلم‏ كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ آل/ عمران:٣١.



8- ومن علامات المحبة ترديد كلام المحبوب والإقبال على حديثه وإلقاء السمع إليه، وعند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسُول الله ‏صل الله عليه وسلم‏ قال: (ليْس مِنا من لمْ يتغن بِالقُرْآن)



9- ومن علامات المحبة محبة بيت المحبوب، وانشراح الصدر لرؤيته، وشد الرحال لزيارته، وهذا هو السر الذي من أجله تعلقت القلوب بالبيت الحرام وكعبته حتى هجروا الأوطان وتحملوا السفر بمشقته طمعا في حب الله وعبادته، ركبوا الأخطار وجابوا المفاوز والقفار، واحتملوا في الوصول إلى البيت مشقة الأسفار، وسر هذه المحبة هي إضافة البيت إلى نفسه سبحانه وتعالى.



10- ومن العلامات الدالة على صدق المحبة في القلب أن ينام المحب على ذكر محبوبه، يذكره بلسانه عند نيامه وقيامه، ولذلك كان رسول الله ‏صل الله عليه وسلم‏ ينام وآخر كلامه ذكر الله، ويقوم وأول كلامه ذكر الله، روى البخاري عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (كان النبِيُّ ‏صل الله عليه وسلم‏ إِذا أراد أن ينام قال: بِاسْمِك اللهُمّ أمُوت وأحْيا، وإِذا اسْتيْقظ مِن منامِهِ قال: الحمْدُ للهِ الذي أحْيانا بعْد ما أماتنا وإِليْهِ النشُورُ)

كتاب سهل - الرضواني
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©