أقام الله الخلائق على معاني الزوجية والشفعية لينفرد سبحانه وتعالى بالوحدانية والأحدية والوترية، وليفتقر كل منهم إلى الآخر، فيقروا بالتوحيد في عبوديتهم إلى ربهم، ويعودوا بفقرهم إلى خالقهم؛ لأنه الغني بذاته في كل اسم له، أو وصف، أو فعل، وألا يستغنوا عنه بقوتهم التي منحها لهم، أو يخرجهم طغيانهم عن حدود فقرهم. قال تعالى في بيان حقيقة قيام الخلائق على الزوجية: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  الذاريات:٤٩. وقال: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ النجم:٤٥.

والوترية هي انفراد الله عز وجل بصفاته، فهو العزيز بلا ذل، والقدير بلا عجز، والقوي بلا ضعف، والعليم بلا جهل، وهو الحي الذي لا يموت، والقيوم الذي لا ينام، أما الخلائق فهي قائمة على الزوجية، بين حياة وموت، وقوة وضعف، وقدرة وعجز، وإتيان ونزع، وعز وذل، وعلم وجهل، وفقر وغنى، وعقم وإنجاب، بحيث تتردد الحياة بين السلب والإيجاب، ومعاني الفقر الذاتي والغنى الذاتي.

ثم إذا أيقنوا بفقر من لجئوا إليه دون الله، وأنه لو أعطاهم مرة فلن يعطيهم مرة أخرى، علموا أنهم فقراء لجئوا إلى فقراء أمثالهم، وأن الفقير لا يلجأ إلى فقير، وأن الصغير لا يستند إلى صغير، بل لا بد من غني كبير، يبتغون عنده العزة والرزق، وكل ألوان العبادة له وحده لا شريك له، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ الأعراف:١٩٤.

وقال تعالى: إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ العنكبوت: ١٧. وفي مقابل توحيدهم لله في العبودية وحدوا الله في الربوبية، فكان لهم ربا واحد أحدا، وترا صمدا قويا غنيا قديرا عليا، له الأسماء الحسنى والصفات العليا، يدعونه ويركنون إليه.

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©