الدلالات المقصودة هي التي نميز بها الأشياء والأسماء، وهي التي تعارف عليها العقلاء من بني آدم، وهذه الدلالات لها أهمية كبيرة في فهم عقيدة أهل السنة والجماعة، وهذه الدلالات أربعة أنواع:


1- دلالة المطابقة: وهي دلالة اللفظ على ما عناه المتكلم ووضعه له، أو هي دلالة اللفظ على المعنى المقصود لدى المتكلم؛ فمن المعلوم أن الألفاظ أو الأسماء تطلق على الأشياء لتتميز بها عن غيرها، وكل اسم أو لفظ في أي لغة، وعلى أي لسان، ينطبق في دلالته بين العقلاء على شيء متعارف عليه في لغة التخاطب التي عند كل إنسان، فالألفاظ المنطوقة أو المكتوبة لها مدلولات معينة يعيها القلب ويدرك معناها.


 


ومثال دلالة المطابقة دلالة لفظ البيت على مجموع الجدران والسقف والأبواب والنوافذ؛ ودلالة لفظ المسجد على مبنى معين أقيم للصلاة والجماعة والجمع؛ فلو قال أحدهم لأخيه: انتظرني في المسجد؛ فإنه لا ينتظره في السوق؛ لعلمه أن المسجد لفظ يدل على مكان معلوم للصلاة والعبادة، وأن لفظ السوق يدل على مكان آخر وضع للبيع والشراء.


 


وأيضا لو قال المشتري للبائع: أعطني تفاحا، فإن البائع يعطيه شيئا معينا، أو فاكهة معلومة يطلق عليها هذا اللفظ؛ وليس إذا قال له: أعطني تفاحا أعطاه عنبا أو برتقالا، أو جزرا أو خيارا؛ لأن الله عز وجل فطر العقلاء على أن يتعلموا الأسماء، وما تنطبق عليه من مدلولات في واقعهم، فالمشتري والبائع يعلمان أن لفظ التفاح يدل على شيء معين غير الذي يدل عليه لفظ البرتقال، لكن لو قلت للبائع: أعطني خيارا؛ فأعطاك برتقالا، فذلك إما لأنه لم يسمع، فيعاد اللفظ ويكرر حتى يفهم؛ أو لأنه لم يعقل أصلا، ومثل هذا لا يعد من العقلاء، ولا يصلح للبيع والشراء.


 


2- دلالة التضمن: وهي دلالة اللفظ على بعض ما عناه المتكلم ووضعه له أو دلالته على بعض المعنى المقصود من قبل المتكلم، كدلالة لفظ الشجرة على الأوراق؛ فإن الشجرة تضمنت الأوراق وغيرها، فالذهن يتصور الأوراق وبقية الأجزاء مباشرة عند النطق بلفظ الشجرة، فيتصور بدلالة التضمن فروعها، وخشبها، وثمارها، وجميع ما حوت من أجزاء، فتقول دلالة الشجرة على الأوراق دلالة تضمن، ودلالتها على كل أجزائها مجتمعة دلالة مطابقة.


 


ومثال ذلك أيضا دلالة لفظ المدرسة على الفصول دلالة التضمن، وعلى التلاميذ دلالة التضمن، وعلى المدرسين دلالة التضمن؛ ودلالتها على كل أجزائها ومحتوياتها مجتمعة دلالة مطابقة.


 


وكل اسم من أسماء الله تعالى يدل على ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى الصفة وحدها بالتضمن؛ فاسم الله العزيز يدل على صفة العزة وحدها بالتضمن، كما يدل أيضا على ذات الله وحدها بالتضمن، ويدل على ذات الله وعلى صفة العزة معا بالمطابقة، وأخطأ من قال بأن اسم الله الرحمن يدل على ذات الله بالمطابقة لأن ذلك هو مذهب المعتزلة.


 


3- دلالة اللزوم: وهي دلالة الشيء على سبب وجوده، كدلالة الشجرة على البذرة، ودلالة الثمر على الشجرة، ودلالة السيارة على مصنعها، ودلالة السقف على وجود الحوائط والأعمدة ؛ فهذه دلالة لزوم لأن العاقل يعلم أن السقف لا يوجد إلا بعد وجود الحائط والأعمدة، وكدلالة الحمل على الزواج أو الزنا، إلا في بعض الخوارق الاستثنائية، ولذلك لما جاء الملَك إلى مريم وأعلمها أنها ستحمل بقدرة الله، أخبرته أن الولد لا يكون بدلالة اللزوم إلا بسبب مشروع أو ممنوع، ولم يحدث أنها تزوجت، أو فعلت ما حرمه الله، فأخبرها أن هذا خارج عن اللوازم المنطقية، وهو استثناء خاص من القواعد الشمولية لدلالة اللزوم العقلية، وعلى ذلك فإن دلالة اللزوم مبنية على فهم العقل لترابط الأسباب، بحيث ترتبط النتيجة بسببها.


 


وقد دعا الله عز وجل عبادة للنظر إلى ما في الكون من آيات ومفعولات تدل على عظمة أوصافه، وكمال أفعاله بدلالة اللزوم، وجميع أسماء الله الحسنى تدل أيضا باللزوم على أن الله عز وجل حي قيوم، فلا يمكن لمن انعدمت فيه الحياة أو غلبته السنة والنوم أن يكون إلها يدبر أمر الخلائق، أو يجيب المضطر إذا دعاه، قال تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياء وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ  النحل:٢٠/٢١.


 


4- دلالة الالتزام: وهي دلالة الشيء على نتيجته، فإذا كانت دلالة اللزوم هي دلالة الشيء على سببه، فإن دلالة الالتزام عكسها، وهي دلالة الشيء على نتيجته، وتوقع حدوث أثره كدلالة الغيوم على اقتراب المطر، وكدلالة شرب الدواء على توقع حصول الشفاء،  ودلالة الفعل على توقع رد الفعل، فكل فعل له رد فعل بدلالة الالتزام.


 


ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الأسماء الحسنى تدل على الصفات بالمطابقة والتضمن واللزوم، فدلالة اسم الله الرحمن على ذات الله وصفة الرحمة دلالة مطابقة، ودلالة اسم الله الرحمن على ذات الله وحدها أو صفة الرحمة وحدها دلالة تضمن، ودلالة اسم الله الرحمن على صفة الحياة والقيومية دلالة لزوم. وكذلك اسم الله الخالق يدل على ذات الله وعلى صفة الخالقية بدلالة المطابقة، ويدل على أحدهما بالتضمن، ويدل على العلم والقدرة باللزوم؛ ولذلك لما ذكر الله خلق السماوات والأرض، عقب بذكر ما دل عليه وصف الخلق باللزوم، فذكر القدرة والعلم، فالذي يصنع مثل هذا العالم لا بد أن يكون عليما قديرا. قال الله تعالى:  اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا الطلاق:١٢.


 


ومن وفقه الله لفهم دلالة اللزوم كانت أقواله صادرة عن حكمة، وكانت أفعاله عن روية وفطنة، ووزن جميع أموره بدقة، بحيث يغلب جانب المنفعة على جانب المضرة، ويتخير الأحسن والأفضل على الدوام، وأغلب ما يحل بالإنسان من بلاء وشقاء سببه الغفلة عن لازم قوله وفعله، وقد ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: (إنّ العبد ليتكلمُ بالكلمة، ما يتبينُ فيها، يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق) ([1]).


كتاب سهل - الرضواني

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ شبكة عقيدتي الإسلامية 2018 ©