الاثنين، 10 يونيو 2019

القاعدة الأولى التي قام عليها اعتقاد أهل السنة والجماعة في التعرف على أوصاف الله عز وجل هي توحيده وإفراده عمن سواه، فهم يتميزون عن سائر الناس بهذه الصفة، صفة التوحيد، سواء كان ذلك في إيمانهم بربوبية الله تعالى وإفراده بالخلق والأمر؛ كما قال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الأعراف:٥٤. أو كان في عبادتهم له سبحانه، فلا يخضعون لأحد عن إخلاص ومحبة ورغبة إلا لله، ولا يشركون معه في العبادة سواه، كما قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ البينة:٥.


 


أو كان في إيمانهم بما أثبته الله لنفسه من أنواع الكمالات في الأسماء والصفات، فالتوحيد يُقصد به في باب الصفات إفراد الله سبحانه بذاته وصفاته وأفعاله عن الأقيسة والقواعد والقوانين التي تحكم ذوات المخلوقين وصفاتهم وأفعالهم.


 


والدليل على ذلك من القرآن قوله تعالى:فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الشورى:١١. والشاهد من الآية أن الله سبحانه بين انفراده بجميع ما ثبت له من أوصاف الكمال والجمال، وتوحده فيها عن أوصاف المخلوقين وعن كل ما يحكمهم من قوانين. وقال تعالى في أول سورة الإخلاص: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الإخلاص:١. وقال في نهايتها مبينا معنى الأحدية: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ الإخلاص:٤. أي أن الأحد هو المنفرد بأوصاف الكمال، الذي لا مثيل له فنحكم على كيفية أوصافه من خلاله، ولا يستوي مع سائر الخلق؛ فيسري عليه معهم قانون جامع، أو قياس شامل، أو قواعد تحكمه كما تحكمهم، لأنه اتصف بالتوحيد، وانفرد عن أحكام العبيد. وقال تعالى: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا مريم:٦٥. والمعنى الذي دلت عليه الآية: هل تعلم لله شبيها مناظرا يدانيه أو يساويه، أو يرقي إلى سمو ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله؟


 


وعلى ذلك فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن نخضع أوصاف الله لما يحكم أوصاف البشر من قوانين، فمن البلاهة العقلية أن نطبق قوانين الجاذبية الأرضية على استواء الله على عرشه، أو على حملة العرش، أو على نزوله إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل؛ لأن ذلك قد ينطبق على الإنسان وهو في مجال الأرض، لكنه ذلك لا ينطبق على رب السماوات والأرض، فهو سبحانه متوحد عن قوانين البشر؛ منفرد بذاته وصفاته وأفعاله.


 


ومعلوم أننا لم نر الله، ولم نر له مثيلا، أو شبيها، أو نظيرا، والشيء لا يعرف إلا برؤيته، أو برؤية نظيره، فكيف نقول كما قالت الجهمية والمعتزلة والمتكلمون الأشعرية والماتريدية لو كان الله على العرش لكان محمولا؟! ولذلك فإن السلف الصالح فرقوا بين النصوص التي تدل على المخلوق، والنصوص التي تدل على الخالق؛ فالنصوص التي تدل على المخلوق تليق به، وظاهرها مراد في حقه؛ وهي معلومة المعني لورودها في القرآن والسنة باللغة العربية، وكذلك معلومة الكيفية؛ لأننا نراها بحواسنا ومداركنا، أو نري نظيرها فنحكم عليها بالتشابه أو المثلية.


 


أما النصوص القرآنية والنبوية التي تدل على الخالق فهي معلومة المعني أيضا؛ لأن الله عز وجل خاطبنا باللغة العربية، ولم يخاطبنا بالأعجمية، فلا يمكن القول إن كلام الله بلا معنى، أو إن كلام الله يشبه كلام الأعاجم والألغاز التي لا تفهم؛ أما الكيفية الغيبية للصفات الإلهية التي دلت عليها تلك النصوص فهي كيفية حقيقية، معلومة لله وتليق به، لكنها مجهولة لنا، لا نعلمها، لأننا ما رأينا الله عز وجل. فقد روى مسلم أن النبي صل الله عليه وسلم قال: (تَعَلمُوا أَنّهُ لنْ يَرَي أحَدٌ مِنْكُمْ رَبّهُ عز وجل حتى يَمُوتَ) ([1]). وكذلك ما رأينا  لكيفيته سبحانه وتعالى نظيرا أو مثيلا نحكم عليها من خلاله إذ يقول الله تعالى: فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُالشورى:١١.


كتاب سهل - الرضواني

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©