علة احتياج العالم إلى الله عند المتكلمين يسمى بدليل الحدوث، وهو زعمهم أن الحوادث لو قامت بذات الباري لا تصف بها بعد أن لم يتصف، ولو اتصف لتغير، والتغير دليل الحدوث، إذ لا بد من مغير.

ومعلوم أن مذهب السلف في علة احتياج العالم إلى الله هو افتقار المخلوق إلى خالقه، وأن وجوده تعالى وغناه بنفسه عمن سواه أمر فطري معلوم بالضرورة، يُعلم من نَظِر العبد إلى ضروريات نفسه، وافتقاره إلى غيره, والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى، نراها في الكون والآفاق، والنفس والأعماق، وأدلة الوحي المختلفة.

أما الأشاعرة فدليل احتياج العالم للخالق عندهم دليل جدلي كلامي، استخدموه لنفي أغلب ما دلت عليه النصوص القرآنية والنبوية من الصفات الذاتية والفعلية، فهم يستدلون على ضرورة وجود الله بأن الكون حادث، وكل حادث فلا بد له من محدث قديم، وأخص صفات القديم عندهم مخالفته للحوادث، وعدم حلولها فيه. ومن مخالفته للحوادث إثبات أنه ليس جسما ولا عرضا، ولا متحركا ولا مستويا، ولا نازلا ولا متعاليا، ولا يسأل عنه بأين؟ لأنها تدل على المكان والجهة، فلو كان الله متقيدا بمكان متصوراً بصورة، متحيزا بحد ونهاية، مختصا بجهة، لكان متغيرا بصفة حادثة، والتغير دليل الحدوث، لأنه يستدعي مغيرا.

ويستدلون لكلامهم العقلي بنص قرآني كدليل ثانوي، يؤولونه على أهوائهم، ولا يؤيد ما ذهبوا إليه أصلا، وهو قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ، وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ الأنعام:٧٤/٧٦.

 والمعنى عند الأشاعرة لا أحبّ عبادة الأرباب المتغيرين من حال إلى حال، المتنقلين من مكان إلى آخر، فإن ذلك من صفات الأجرام.

والقصد من ذكر هذا الكلام أن دليل الحدوث الذي يقرره المتكلمون، لم يضعوه في الاتجاه الذي عناه القرآن في تقرير دلالة المخلوق على الخالق، كما ذكر الأعرابي البسيط بفطرته، واستدلاله على وجود الخالق، بأن البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير؟! وهذا ما خاطب الله عباده في مثل قوله: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ -  الطور:٣٥.

ولكن دليل الحدوث عند الأشعرية من البدع العقلية الاعتقادية، القصد منها عندهم تعطيل الصفات الإلهية، تحت مسمى نفي التشبيه والجسمية، كتعطيلهم الاستواء والنزول والغضب والرضا، ونحو ذلك مما يتعلق بإرادة الله وقدرته، فرارا من قيام الحوادث به كما يزعمون، بخلاف دليل الفطرة الذي عليه سلف الأمة؛ فإنه دليل ناطق واضح صريح في أن علة احتياج العالم إلى الرب سبحانه أن وصف الغنى والكمال، وصف ذاتي انفرد به رب العزة والجلال، وأن وصف الحاجة والافتقار، وصف ذاتي لكل مخلوق على وجه الاضطرار.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©