هل التصوف علم أصيل له دليل من النقل أم ابتداع دخيل؟

جميع العلوم الإسلامية لها أصول قرآنية أو نبوية ما عدا التصوف فهو ابتداع دخيل على الأمة الإسلامية، لأن أول ما يطالب به أصحاب كل علم من العلوم الإسلامية أو كل طريقة أو مذهب ينتسب إلى الأمة الإسلامية هو البحث عن الأصول التي أهلتهم للخوض في هذا المجال، أو بتعبير آخر البحث عن أصالة علمهم وإظهار الأصول التي يعتمدون عليها من الكتاب والسنة، فمن البديهي أن العلوم الإسلامية كعلوم القرآن والحديث والفقه والمواريث والتوحيد واللغة، وغير ذلك من أنواع العلوم، لم تظهر بصورتها المتميزة في عصر النبوة أو عصر الخلافة الرشيدة، وإنما ظهرت بعد ذلك بفترة، ولكن تلك العلوم قائمة على أصول قرآنية أو نبوية تمنحها شرف الانتساب، ورخصة الإنشاء، وجواز التوسع فيها حتى تصل إلى ما يمكن من الكمال، فعلوم القرآن المختلفة كضوابط التلاوة وتنوع القراءات وتفسير القرآن، يمكن أن ترد جميعها إلى ما ورد عند البخاري عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِن أَفْضَلكُمْ مَن تَعَلمَ القُرْآن وَعَلمَهُ) ( ). فللمشتغلين بعلوم القرآن أن يحتجوا بمثل هذه الأحاديث على أصالة علمهم، وجودة مطلبهم، وسلامة مقصدهم، وشرف نسبتهم وتسميتها.

كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا المسلمين جميعهم إلى البحث في القرآن ليكون القول فيه عن علم وفهم، وحذر من الخوض فيه بالرأي والهوى، وجعل المسلم المتعلم المعلم من خيرة الأمة وأفضلها، كل ذلك يضاف إلى ما ورد في القرآن من الأمر بترتيله وتدبره، فهذه الآيات وأمثالها تدل دلالة صريحة على أصالة هذا العلم ونقاء معدنه.

وللمشتغلين بعلوم الحديث رواية ودراية أن يستندوا في رد الحديث وعلومه إلى ما ورد عند البخاري من حديث عَبدِ اللهِ بن عَمْرٍو رضي الله عنه أَن النبي صلى الله عليه وسلم قَال: (بلغُوا عَني وَلوْ آيَةً، وَحَدِّثوا عَن بني إِسْرَائِيل وَلاَ حَرَجَ، وَمَن كَذب عَلي مُتَعَمِّدًا فَليَتَبوَّأْ مَقْعَدَهُ مِن النارِ) . فلفظ حدثوا فيه جواز النسبة إلى علم الحديث، ورخصة إنشائه، وبذل الجهد للتوسع فيه حتى يصل إلى الكمال الممكن. وكما وجدنا أصولا لعلوم القرآن والحديث يمكن أن يجد المشتغلون بالفقه والفرائض والمواريث والتوحيد واللغة أصولا قرآنية لنسبة علومهم، والمبررات الداعية لإنشائها، وإتاحة الجهود اللازمة للتوسع فيها حتى تصل إلى الكمال الضروري في وضع الضوابط العلمية لكل باب.

وإذا عدنا إلى التصوف وعلومه، فمنذ ظهر التصوف في البيئة الإسلامية وأصبح له كيان محسوس في القرنين الثاني والثالث الهجريين، والخلاف مستمر في أصله ورد التصوف إلى أصول إسلامية أو غير إسلامية، سواء كانوا من أبناء الصوفية أو من غيرهم، فمنهم المنكر لنسبة التصوف إلى الإسلام جملة وتفصيلا، ومنهم المؤيد الداعي إلى كونه قلب الإسلام وأصله، ومنهم المتوسط بينهما، فالمنكر يحاول نفيه وإثبات بدعيته محتجا بأن عصر النبوة لا تصوف فيه، ولم يعرف عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان متصوفا، كما أن القرآن والسنة فيهما من الحياة الروحية والأخلاق الكريمة ما يغني عن التصوف وعلوم الصوفية، والمؤيد يؤكد أن سيد الصوفية وأسوتهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجعله على رأس طبقاتهم ثم خيار الصحابة والتابعين، ويحاول جاهدا أن يرد التصوف إلى نسبة محمودة أو تبرير معقول، فتارة ينسبه إلى الصوف، وأخرى إلى الصفاء، وثالثة إلى أهل الصفة، ورابعة إلى الصف الأول، وآخرون يؤكدون أنه عَلم، وهو اسم ظهر بلا اشتقاق أو غيره.

اشترك في آخر تحديثات المقالات عبر البريد الإلكتروني:

0 الرد على "هل التصوف علم أصيل له دليل من النقل أم ابتداع دخيل؟"

إرسال تعليق

إعلان أسفل عنوان المشاركة

إعلان وسط المشاركات 1

إعلان وسط المشاركات اسفل قليلا 2

إعلان أسفل المشاركات