عقيدة أهل السنة والجماعة مبنية على أنه لا أحد أكبر من الدليل، وأن كلا يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم صل الله عليه وسلم، وأنه لا أحد من أهل العلم مهما علا شأنه يزعم أنه نزل عليه وحي من السماء لنسلم له بلا سؤال عن حجته في الأسماء، بل نطالبه بالدليل النصي من كتاب الله، أو من سنة النبي صل الله عليه وسلم، فلا يجوز لأحد أن يسمي الله عز وجل إلا بما سمى به نفسه في كتابه أو صح في سنة رسوله صل الله عليه وسلم.

وما ورد في كلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما من أهل العلم من أتباع السلف مما ذكروه من أسماء لا دليل عليها، فينبغي أن يحمل على الجانب اللغوي، ولا يعتبر مجرد ذكر ابن تيمية أو غيره لاسم لم يرد في الكتاب والسنة مبررا لقبوله وتسمية الله بما لم يسم به نفسه، لأن ذلك يعارض كلامهم في تقرير أصول العقيدة السلفية المبنية على تصديق خبر الله وتنفيذ أمره.

قال ابن تيمية: (وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه، مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد، لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته كما قال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ/  الأعراف:١٨٠.

 وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ/  فصلت:٤٠. 

فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات، إثباتا بلا تشبيه، وتنزيها بلا تعطيل)

والأصل في الغيبيات والأسماء والصفات التوقيف كما هو مقرر في اعتقاد السلف، والتصديق الجازم دون الوهم والشك والظن، فما أخبر الله عز وجل به عن نفسه من الأسماء المطلقة صدقنا بها وآمنا أنها أسماء مطلقة، وما أخبر الله عز وجل به عن نفسه من الأسماء المقيدة صدقنا بها وآمنا أنها أسماء مقيدة، وما أخبر الله عز وجل به عن نفسه من الصفات صدقنا بها وآمنا أنها صفات، وما أخبر به عن نفسه من الأفعال صدقنا بها وآمنا أنها أفعال لرب العزة والجلال.

ومن الخطأ الذي وقع فيه كثيرون أنهم لما نظروا إلى الأسماء المشهورة التي لا دليل عليها، ووجدوا بعضها مذكورا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم اعتبروا ذلك نصا وتوقيفا، وتسمية لله عز وجل بما سمى به نفسه، فجعلوا من أسماء الله عز وجل الضار النافع المبديء المعيد المانع الخافض المعز المذل المميت الصبور، وهذا وهم منهم، بل حدث خلط في أذهانهم، ولم يتنبهوا إلى ما أكده ابن تيمية وابن القيم في أصولهما، إذ يؤكدان في غير موضع على أن الأسماء الحسنى توقيفية على النص، وأنه لا يجوز أن نسمي الله عز وجل بما لم يسم به نفسه في كتابه، أو في سنة رسوله صل الله عليه وسلم.

وعلى الرغم من كون تراث شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم يعد مرجعا أساسيا لكل باحث عن منهج السلف إلا أنه لابد أن يتقيد أولا بأصولهما في اعتقاد السلف، ثم إن وجد في بعض كلامهما شيئا يختلف، تلمس لهما الحجة والعذر، أولا لأنهما بشر، يجوز على اجتهادهما ما يجوز على غيرهما. وثانيا أنه من المسلمات عندهما أن أصول العقيدة السلفية مبنية على الأدلة النقلية دون الفلسفات العقلية والمناهج الكلامية، وأن دور العقل مع النقل هو العلم به والتعرف إليه، وليس العقل عندهما أصلا في ثبوت النقل كما ادعى كثير من المتكلمين، وهما يقرران أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، بل يشهد له ويؤيده؛ إذ أن مصدرهما واحد؛ فالذي خلق العقل هو الذي أرسل إليه النقل، ومن المحال أن يرسل إليه ما يفسده. وهناك أصول كثيرة تجدها بين أميال طويلة مما سطّر ابن تيمية وابن القيم في تراثهما، ومن ثم لا بد من مراعاة أصولهما قبل الإلزام بشيء يخالفها، فلازم القول ليس بلازم إلا إذا أقر قائله بدلالة اللزوم؛ لأن ابن آدم خطّاءٌ وغير معصوم.

ومعلوم أن كل عالم يمر عبر حياته بمراحل علمية متعددة، فلم يولد ابن تيمية وهو يكتب منهاج السنة النبوية، ولم يولد ابن قيم الجوزية ومعه شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، بل كان حالهما كحال بقية أهل العلم في كل زمان ومكان، وإن كان لهما تميز مخصوص في المواهب العلمية والقدرات الذهنية ، فقد يُنقل عن ابن تيمية في بداية حياته بعض الأسماء التي لم تثبت في رواية الوليد نظرا لشهرتها الطويلة بين العامة، بل إن أغلب العلماء ما زالوا يتناقلون الأسماء المشهورة وهم يظنون أنها من كلام النبي صل الله عليه وسلم الثابت المسند في الروايات، ولا يستطيع أي باحث أن يحدد متى ذكر ابن تيمية وابن القيم في كلامهما أن الضار النافع الخافض المعز المذل من الأسماء الحسنى، هل كان ذلك في أول حياتهما أم في آخرها؟

وفضلا على ذلك فإن الأصول التي قررها ابن تيمية وابن القيم تفيد بلا شك أن الأسماء الحسنى توقيفية على النص، وهما يؤكدان في غير موضع أنه لا يجوز أن نسمي الله عز وجل بما لم يسم به نفسه في كتابه أو في سنة رسوله صل الله عليه وسلم، قال ابن تيمية: (وأما تسميته سبحانه بأنه مريد وأنه متكلم؛ فإن هذين الاسمين لم يردا في القرآن، ولا في الأسماء الحسنى المعروفة ومعناهما حق، ولكن الأسماء الحسنى المعروفة هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها)

وقال ابن القيم: (ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيا كالقديم والشيء والموجود والقائم بنفسه؛ فهذا فصل الخطاب في مسألة أسمائه: هل هي توقيفية أو يجوز أن يطلق عليه منها بعض ما لم يرد به السمع؟)

ومن ثم لو نقل عن ابن تيمية قوله: (أسماء الله المقترنة كالمعطي المانع، والضار النافع، المعز المذل، الخافض الرافع، فلا يفرد الاسم المانع عن قرينه، ولا الضار عن قرينه لأن اقترانهما يدل على العموم)

ولو نقل عن ابن القيم رحمه الله قوله: (فإنه سبحانه له الأسماء الحسنى، فمن أسمائه الغفور الرحيم العفو الحليم الخافض الرافع المعز المذل المحيي المميت الوارث الصبور، ولا بد من ظهور آثار هذه الأسماء؛ فاقتضت حكمته سبحانه أن ينزل آدم وذريته دارا يظهر عليهم فيها أثر أسمائه) .

لو نقل عنهما مثل ذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: على أي دليل استندا هذان الحبران إلى تسمية الله عز وجل بالضار النافع المعز المذل الخافض الرافع المميت إلى غير ذلك، وهي لم ترد إلا أفعالا ولا دليل على كونها من الأسماء الحسنى؟ فهل كل منهما يجوّز أن يشتق لله عز وجل اسما من كل فعل؟ وكيف يكون ذلك وقد تقدم توبيخهما لمن فعل ذلك؟ لأن من تتبع الأسماء التي ذكروها في كلامهم السابق وجد أنه لم يثبت منها إلا المعطي العفو الأول الآخر الظاهر الباطن المقدم المؤخر، وهذه كلها دالة بمفردها على الكمال المطلق، ويجوز الدعاء بها، ويجوز أيضا إطلاقها في حق الله عز وجل، أو اقترانها بمقابلها أو غيره كما هو الحال في جميع الأسماء المقترنة .

وما ذكره ابن القيم رحمه الله في دعاء الله عز وجل بالأسماء المتقابلة حيث قال في قواعده: (أسماءه تعالى منها ما لا يطلق عليه بمفرده، بل مقرونا بمقابله كالمانع والضار والمنتقم؛ فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله؛ فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو، فهو المعطي المانع الضار النافع المنتقم العفو المعز المذل، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله.. وأما أن يثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض.. ولذلك لم تجيء مفردة، ولم تطلق عليه إلا مقترنة فاعلمه، فلو قلت: يا مذل، يا ضار، يا مانع وأخبرت بذلك لم تكن مثنيا عليه ولا حامدا له حتى تذكر مقابلها)

وهذا الكلام الذي ذكره ابن القيم قد يصح لو ثبتت تلك الأسماء جميعها، ولكن بعد البحث تبين أنه لم يثبت منها غير المعطي والعفو، فليس من أسمائه الضار ولا النافع ولا المنتقم على إطلاق اللفظ، بل لا بد من وضعه في قائمة الأسماء المقيدة، وليس من أسمائه المانع ولا المعز ولا المذل، ولا دليل عليها من كتاب أو سنة، فالقاعدة التي ذكرها مبنية في الأصل على أساس ولا يصح، وكما علمنا أن كلا يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم صل الله عليه وسلم، والمسلم الصادق ينبغي أن يكون واثقا في عقيدته، وعلى بصيرة في دعوته ومنهجيته، متمسكا بأصول السلف ومنهجهم، ولا يخيفه شهرة فلان، أو ظهوره المتكرر في وسائل الإعلام، أو منصبه العلمي أيا كان، فكل يأخذ من كلامه ويرد إلا نبينا المعصوم صل الله عليه وسلم، ومن ثم إذا ثبت الاسم بدليل الكتاب وصحيح السنة لا يسع أي مسلم صادق رده، أو عدم الإيمان به.

كتاب سهل - الرضواني
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©