الثلاثاء، 28 مايو 2019



رسم الصوفية طريقا بدعيا للعابدين الزاهدين في الدنيا الراغبين في الجنة، والخائفين من النار، ينتهي ببداية طريق المريدين المحبين الذين لا يطلبون جنة ولا يخافون من النار، ويبدأ طريق العارفين المحققين الذين يسعون إلى الفناء والاتحاد برب العالمين عندما ينتهي طريق المريدين، فبداية طريق العابدين اجتياز المقامات، وهي عندهم تبدأ بالتوبة، ثم الورع، يعقبه الزهد، ثم الصبر، ثم التوكل، ثم الرضا، وينتهي الطريق بالحرية، فالحرية عندهم آخر مقامات العابدين، وهي تعني بلوغ الصوفي تمام العبودية، ففي الحرية تمام العبودية، وفي تحقيق العبودية تمام الحرية.

وإذا وصل العابدون إلى الحرية، أصبحوا مريدين محبين، لهم أحوال في ذكرهم وأورادهم، وسلكوا طريقا يسمى عندهم بطريق الحب الإلهي، وهذا الطريق رسموا له بداية ونهاية، فالبداية تكون بالخوف والرجاء، يعقبها القبض والبسط، ثم الهيبة والأنس، ثم التواجد والوجد والوجود، ثم ينتهي عندهم ببداية طريق الفناء الصوفي الذي يسلكه العارفون المحققون على زعمهم، فالطريق الثالث بدايته عند نهاية طريق المريدين المحبين، وفيه تعتريهم حالات من الحلول والاتحاد، والفناء عن النفس والأسباب؛ فيتقلبون بين ما يسمونه الفناء والبقاء، ثم الجمع والفرق، ثم الغيبة والحضور، ثم المحو والإثبات، ثم التلوين والتمكين، حتى يصل إلى التحقق بالفناء عن شهود السِّوى، وهو الحقل الذي ينبت فيه الحلول والاتحاد، فإذا وصل أحدهم إلى التحقق وصل إلى الكمال درجة الحقيقة التي تقابل الشريعة في عرفهم، فأتت طريقة العرافين على صفاء المفاهيم وأصالة المعاني القرآنية، فزلزلت استقرارها، وحولت المفاهيم إلى أوضاع معكوسة، لكل ما تعارف عليه الناس واصطلحوا عليه، فالتقوى لم تعد هي التقوى، فلو مارس العبد تقواه لم يوحد الله في أعين هؤلاء.

وهذه الدرجات البدعية الباطلة هي التي دعا إليها الشيخ أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتابه منازل السائرين والذي عقب عليها ابن القيم في كتابه مدارج السالكين، فقد جعل الهروي توحيد الأنبياء والمرسلين جحودا لتوحيد الله، وشركا برب العالمين، لأن الموحد الذي هو الإنسان، والموحد الذي هو الله أصبحا شيئا واحدا، فالإنسان هو الله فلا معنى للتوحيد إذا كان الله هو الذي يوحد نفسه؟

قال أبو إسماعيل الهروي في ضلالاته: (التوحيد على ثلاثة وجوه، الوجه الأول: توحيد العامة الذي يصح بالشواهد، والوجه الثاني: توحيد الخاصة وهو الذي يثبت بالحقائق، والوجه الثالث: توحيد قائم بالقدم، وهو توحيد خاصة الخاصة.. إلى أن قال: وقد أجبت في سالف الزمان سائلا سألني عن توحيد الصوفية بهذه القوافي الثلاث: ما وحد الواحد من واحد، إذ كل من وحده جاحد. توحيد من ينطق عن نعته، عارية أبطلها الواحد. توحيده إياه توحيده، ونعت من ينعته لاحد)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الشيخ الهروي: (وحقيقة قول هؤلاء الإتحاد والحلول الخاص من جنس قول النصارى في المسيح، وهو أن يكون الموحد هو الموحد، ولا يوحد الله إلا الله، وكل من جعل غير الله يوحد الله، فهو جاحد عندهم)
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©