الأربعاء، 29 مايو 2019



أمر الله عز وجل الملائكة وإبليس على وجه الخصوص بالسجود لأدم عليه السلام لإظهار الحكمة الإلهية في خلقه وقد بدت حكمة الله في أمور كثيرة منها:
أولا: أن يعلم الإنسان مكانته عند الله عز وجل وعظم المهمة التي كلفه بها والتي من أجلها أسجد له ملائكته؛ فيدفعه ذلك إلى الطاعة والإيمان والتفكر بإمعان أبعد هذا الفضل والتكريم يتجرأ عاقل على الكفر والعصيان؟.
ثانيا: أن أمر الله عز وجل بالسجود لآدم ابتلاء للملائكة واختبار لهم في إظهار مدى صدقهم لما قالوا لربهم:وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ البقرة:٣٠. فكانت حقيقة الابتلاء في قول الله عز وجل لهم: اسْجُدُوا لآدم، وهو أمر تكليفي وحكم تعبدي اختياري حتى لو كان بالسجود للإنسان، شأنه في ذلك شأن التخيير في الطاعة أو العصيان، فمن سجد منهم فقد صدق في قوله وكشف عن مراده، ومن امتنع كان ادعاؤه للتسبيح والتقديس كذبا وزورا وعلوا واستكبارا وانطبق عليه ما ورد في قول الله تعالى: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ الأنبياء:٢٩.
ثالثا: أن سجود الملائكة لآدم عليه السلام إقرار منهم بمنزلة الإنسان وتعظيم لدوره في حمل الأمانة وابتلائه بين الكفر والإيمان، وأنه خليفة الله عز وجل في أرضه على وجه الابتلاء، وأنه الوحيد الذي ميزه وكرمه وفضله على كثير من المخلوقات، فهو القائم على أرض الله عز وجل بأمره وشرعه، وهو المستفيد منها إلى قيام الساعة بمشيئته وإذنه، فمن سجد لآدم عليه السلام أقر بذلك، ومن امتنع منهم كان معترضا على فعل الله عز وجل مشككا في عدله وحكمه.
رابعا: أن أمر الله عز وجل لملائكته بالسجود لآدم عليه السلام لا يدل فقط على مطالبتهم بالإقرار وتعظيم الإنسان الذي كرمه الله، ولكن سجودهم سيتبعه تكليف جديد يقومون من خلاله بالقيام على تدبير الكون وضبط أموره وتدبير شئونه اللازمة لتحقيق استخلاف الإنسان في الأرض، والقيام أيضا على أمور الكائنات من حوله لكي تظل مسخرة له إلى يوم القيامة، ثم يتولون تدبير أموره أيضا في دار الجزاء سواء بتعذيبه إن كفر أو إكرامه إن شكر، وأنهم إذا سجدوا لن يعصوا لله أمرا في تدبير الكون وشئونه، ويفعلون ذلك خاضعين غير مستكبرين، فأبدوا بذلك الاستعداد التام لأمر الله في تدبير شئون الحياة.


وتلك حكمة الله في أن يبتلي الملائكة بالإنسان من جهة، ويبتليه بهم كتشريف لهم في ثاني ركن من أركان الإيمان من جهة أخرى، فانظر كيف أرسل الله عز وجل جبريل عليه السلام في صورة أعرابي يجلس بين الصحابة  ليعلمهم دينهم فيسأل النبي عز وجل عن الإسلام والإيمان والإحسان، فالإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، ومن الإيمان بهم أن يؤمنوا بدورهم وشرفهم وفضلهم ومكانتهم عند الله عز وجل .

فلما سجدوا لآدم وأقروا بمكانة الإنسان قسمهم الله ونوعهم، وكلفهم ووجههم، كل في عمل بالغ التخصص، فهم بأمر الله عز وجل قائمون على شئون الإنسان، يدبرون أمره على نحو ما جاء في القرآن.
قال تعالى في وصفهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ التحريم:٦.

والله تعالى اقتضت حكمته أن يجعل فريقا من الملائكة مكلفا بتبليغ كلامه ووحيه إلى الأنبياء والمرسلين، وجعل على رأسهم الروح الأمين جبريل عليه السلام، وبهذا الوحي يذكر الله عز وجل الإنسان بفطرته، ويشرع لكل مستخلف منهجه في رعيته. كما جعل الله عز وجل فريقا منهم للعد والإحصاء سماهم حفاظا كراما كاتبين وجعلهم على عمل الإنسان قائمين يرقبون ويسجلون، ويدونون ويمحصون ويدققون، لا يغادرون صغيرة أو كبيرة من سعيه وكسبه، وهم يحاسبون الإنسان يوم القيامة على ما استرعاه الله من الأمانة، وعندها يشعر المؤمن يوم القيامة بالعزة والكرامة ويتقلب الكافر وقتها في الحسرة والندامة، حتى إذا جاء الكافر يوم القيامة تعجب من دقة حسابهم ومدى قدرتهم على تسجيل الأعمال كما قال رب العزة والجلال: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا الكهف:٤٩.

إن القلب ليخشع عندما يرى طلاقة العدل والكمال والحكمة والعظمة والجلال في أن يكلف الله عز وجل الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام تعظيما له، ويكلفهم في المقابل بالإشراف على محاسبته تعظيما لهم، بل كلفهم بالقيام على قبض الأرواح وانتزاعها، واستدعاء الإنسان من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، وجعل على رأسهم ملك الموت.

وجعل منهم خزنة الجنان قائمين على أمور المؤمنين، وجعل منهم أيضا الموكلين بالنيران، ملائكة غلاظ شداد على رأسهم خازنها مالك، وقد جعل الله عز وجل منهم أيضا أهل الإغاثة والنصر للقتال مع المؤمنين، وجعل منهم الموكل بالمطر، والموكل بالجبال، والموكل بحضور مجالس الذكر، والموكل بالنطفة في الرحم حتى حملة العرش ومن يطوف حوله منهم لهم صلة وثيقة بالإنسان؛ فهم بالإضافة إلى تسبيحهم وعبادتهم لله عز وجل يدعون للتائبين والمؤمنين الصالحين.

ومن حكمة الله في أمر التدبير أنه كلف كل يوم ملكين ينزلان من السماء يدعوان للإنسان أو عليه، يدعو أحدهما لكل منفق والآخر يدعو على كل ممسك. وتفصيل ما ذكر في القرآن والسنة عن الملائكة يضيق المقام عن ذكره.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات البصيرة 2018 ©